والشريعة الإسلامية شريعة عامة لكل زمان ومكان، تأمر بكل ما فيه مصلحة للفرد والمجتمع، وتنهى عن كل ما فيه مفسدة للفرد والمجتمع، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه"السياسة الشرعية": (( ينبغي أن يُعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده؛ فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه، وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به، وإصلاحًا لحاله، مع أنه يود ويؤثر ألا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل.
فهكذا شُرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها )) [1] اهـ مختصرًا.
هذا؛ والحدود الشريعة لا تنفذ إلا بنطاق ضيق محدود جدًا، وقد يظن بعض الناس أن إقامة الحدود في الإسلام كإقامة الصلاة في كثرتها، وهذا ظن خاطئ سببه دعايات المغرضين، وشبهات الحاقدين.
قال المطيعي في"المجموع": (( التضييق في تطبيق الحدود أمر محبب في الإسلام، ودرء الحدود بالشبهات المقصود منه أن تكون شريعة الحد قائمة، والتنفيذ القليل منها صالح لإنزال النكال بمن يكون بصدد الوقوع في الجريمة ) ) [2] . اهـ مختصرًا.
وفيما يلي بيان الرحمة في إقامة الحدود بالتفصيل:
أ حدّ السرقة:
تعاقب الشريعة الإسلامية على السرقة بالقطع لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38] .
وليس في هذا الحد ما ينافي الرحمة، بل هو من الرحمة للمجتمع والفرد وبيان ذلك فيما يلي:
الإسلام يقرر حق كل فرد في الحياة، وحقه في كل الوسائل لحفظ حياته، ومن حق كل إنسان أن يحصل على هذه الوسائل عن طريق العمل مادام قادرًا، فإن لم يستطع العمل لعجز ومرض مزمن فإن على المسلمين أن يوفروا له ما يحفظ حياته من النفقة التي تفرض له شرعًا على القادرين في أسرته، وأهل محلته، ومن الزكاة، فلماذا يسرق السارق في ظل هذا النظام؟
إنه لا يسرق إلا للطمع في الثراء من غير طريق العمل، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله فيطمع في ثمرة عمل غيره، والمال لا يطلب من هذا الوجه الذي
(1) انظر"مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية"رحمه الله (28/ 329) .
(2) انظر"المجموع"للنووي (22/ 194) .