وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إني لأذكر أول رجل قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتي بسارق فأمر بقطعه، فكأنما أسف وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم [أي: حزن على الرجل عندما قطعت يده] فقالوا: يا رسول الله! كأنك كرهت قطعه؟! قال: «وما يمنعني؟! لا تكونوا أعوانًا للشيطان على أخيكم، إنه لا ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، إن الله عفو يحب العفو {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] [1] .
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقطع يد السارق تشفيًا لنفسه، وإنما امتثالًا لأمر ربه، وأمر الله فيه مصلحة العباد والبلاد؛ ولذا فأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بإقامة الحدود على البعيد والقريب، والقوي والضعيف، والشريف والوضيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أقيموا حدود الله في البعيد والقريب، ولا تأخذكم بالله لومة لائم» [2] .
وعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبه صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» [3] .
وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره» [4] .
فقد أمر الله بقطع يد السارق، وهو أعلم بما يصلح العباد، فمن منع من إقامة حد السرقة بشفاعته أو بفعله فقد ضاد الله في أمره، قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
وبهذا يتبين أن قطع يد السارق لا ينافي رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنه قد شرع رحمة بالسارق أمورًا كثيرة كما تقدم، فإذا قُطعت يده فإن في ذلك مصالح عديدة [5] .
(1) أخرجه أحمد (4168) ، وهو في"السلسلة الصحيحة" (1638) .
(2) أخرجه ابن ماجه (2540) ، وهو في"صحيح الجامع" (1190) .
(3) أخرجه البخاري (3475) ، ومسلم (1688) .
(4) أخرجه أبوداود (3597) ، وهو في"صحيح الجامع" (6196) .
(5) راجع كتاب"التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي"لعبد القادر عودة ج 1 ص 652 وما بعدها، و ج 2 ص 514 وما بعدها.