فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 169

وقد صان الله الأموال بإيجاب القطع للسارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة كالاختلاس والانتهاب والغصب لأنه قليل بالنسبة للسرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمر، وتسهل إقامة البينة عليه بخلاف السرقة فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها [1] .

ومن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالسارق أنه لا تقطع يده إذا سرق مالًا من غير حرز، والحرز هو: الموضع الحصين، قال ابن عبد البر: (( الحرز كل ما يحرز به الناس أموالهم إذا أرادوا حفظها، وهو يختلف باختلاف الشيء المحروز واختلاف المواضع ) ) [2] .اهـ

عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تقطع اليد في ثمر معلق» [3] .

وقد أخذ الفقهاء من قواعد الشريعة وأصولها ضوابط كثيرة للقطع، فليس كل من سرق قُطِعت يده، فلا تقطع يد السارق مع وجود شبهة له في المال كسرقة الابن من مال أبيه أو الأب من مال ابنه أو الشريك من مال الشركة، ولا تثبت السرقة إلا بالإقرار من السارق أو شهادة عدلين، فإن وجدت شبهة فلا تقطع يده، بل يدرء الحد بالشبهة، وكذا لا تقطع يد السارق وقت المجاعات، وفي هذه الأحوال ونحوها يعزر السارق بالضرب أو الحبس أو الغرامة المضاعفة ولا تقطع يده.

هذا؛ وقد رغّب النبي عليه الصلاة والسلام في عدم إبلاغ الحاكم بحد السرقة إذا علم السارق، وأنه ينبغي للمسروق منه أن يعفو عن السارق، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب» [4] .

قال في عون المعبود: (( الخطاب لغير الأئمة، أي: تجاوزوا عن الحدود ولا ترفعوها إلى الأئمة، فما بلغني فقد وجب علي إقامته. فالإمام لا يجوز له العفو عن حدود الله إذا رفع الأمر إليه، ويستحب عدم رفع الحدود إلى الأئمة لهذا الحديث ) ) [5] .اهـ مختصرًا بتصرف.

وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أمر بقطع الذي سرق رداءه [وكان ثمنه دينارين ونصف] شفع فيه [أي قال: إني أتجاوز عنه فلا تقطعه] ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟» [6] .

(1) انظر"فتح الباري" (12/ 98) .

(2) انظر"التمهيد" (11/ 222) .

(3) أخرجه النسائي (4957) ، وهو في"صحيح الجامع" (7398) .

(4) أخرجه أبو دواد (4376) ، وهو في"صحيح الجامع" (2954) .

(5) "عون المعبود" (12/ 27) .

(6) أخرجه أبوداود (4394) ، وصححه الألباني في"إرواء الغليل" (2317) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت