ثم إن بعض القوانين الوضعية توجب الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة في بعض جرائم السرقة، فكيف ترضى قلوبكم الرحيمة أن يوضع المحكوم عليه في السجن كما يوضع الحيوان في قفصه محرومًا من حريته بعيدًا عن أهله، فأيهما أقسى قطع يد السارق وتركه بعد ذلك يتمتع بحريته، ويعيش بين أهل وولده أم حبسه على هذا الوجه الذي يسلبه حريته وكرامته وإنسانيتة؟!
ثم إن بعض القوانين الوضعية تبيح قتل السارق في بعض الأحيان، فأيهما أرحم بالسارق: الشريعة الإلهية أو القوانين الوضعية؟!
إن الشريعة الإسلامية رحمت السارق والمجتمع بهذه العقوبة، أما السارق فرحمته حيث لم تأمر بقتله أو سجنه مدى الحياة، ورحمته حيث جعلت قطع يده كفارة لذنبه، عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أصاب ذنبًا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته» [1] .
أما المجتمع فرحمته حيث تسود فيه الطمأنينة والأمن عندما تقطع فيه يد السارق، وهذا أمر معلوم في أي مكان يُطبق فيه حد السرقة، حيث قد تقطع الحكومة يد سارق واحد فقط؛ فيأمن العباد، ويقل الفساد، وتنعدم السرقات، بسبب قطع يد سارق واحد فقط فضلًا عن اثنين أو ثلاثة أو أربعة.
هذا؛ وقد رحم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم السارق فنهى عن قطع يده إذا سرق شيئًا أو ليس ذا قيمة كبيرة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا» [2] .
والدينار يساوي 4.25 جرام من الذهب، فمن سرق ما دون ربع دينار فلا تقطع يده، ولكنه يعاقب بعقوبة أخرى كضرب أو سجن أو نحو ذلك من أنواع التعزيرات.
ومن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالسارق أنه نهى عن قطع يده في السفر، فعن بسر بن أبي أرطأة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تُقطع الأيدي في السفر» [3] .
ومن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالسارق ماثبت في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع» [4] .
الخائن هو الذي يخون ما جُعِل عليه أمينًا كأن يخون في وديعة أو عارية، والمختلس هو من اختطف المال وسلبه على طريقة الخلسة، والمنتهب هو الذي يأخذ المال على وجه العلانية قهرًا.
(1) أخرجه أحمد (21915) ، وهو في"صحيح الجامع" (6039) .
(2) أخرجه البخاري (6790) ، ومسلم (1684) .
(3) أخرجه الترمذي (1450) ، وهو في"صحيح الجامع" (7397) .
(4) أخرجه الترمذي (1448) ، وهو في"صحيح الجامع" (5402) .