وقال ابن الجزري (رحمه الله) : (قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ} . فَلَا خِلَافَ فِي إِدْغَامِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إِبْقَاءِ صِفَةِ الِاسْتِعْلَاءِ مَعَ ذَلِكَ فَذَهَبَ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّهَا بَاقِيَةٌ مَعَ الْإِدْغَامِ كَهِيَ فِي:(أَحَطتُ، وَبَسَطْتَ) ، وَذَهَبَ الدَّانِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى إِدْغَامِهِ مَحْضًا، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ أَصَحُّ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا فِي بَابِ الْمُحَرَّكِ لِلْمُدْغِمِ مِنْ: (خَلَقَكُمْ، وَرَزَقَكُمْ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ (أَحَطتُ) وَبَابِهِ أَنَّ الطَّاءَ زَادَتْ بِالْإِطْبَاقِ) [1] .
وقال الشيخ المرصفي: (ومنه أيضًا إدغام القاف الساكنة في الكاف من {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} (المرسلات 20) بالمرسلات في أحد الوجهين ويسمى إدغامًا ناقصًا لأنه غير مستكمل التشديد أيضًا من أجل بقاء صفة المدغم وهي هنا صفة الاستعلاء التي في القاف).
ثم قال: (وكيفية أداء هذا الإدغام المحافظة على سكون القاف من غير قلقلة أيضًا. أما الوجه الآخر في هذا الكلمة فهو إدغام القاف في الكاف إدغامًا كاملًا بإسقاطها ذاتًا وصفة وبذلك يصير النطق بلام مضمومة بعدها كاف مضمومة مشددة تشديدًا كاملًا. والوجهان صحيحان مقروء بهما لجميع القرَّاء إلَّا أن الإدغام الكامل هو الأولى والمختار عند الجمهور المقدم في الأداء وقد حكى غير واحد الإجماع عليه. وقد أشار بعضهم إلى كيفية أداء الوجهين في لفظ {نَخْلُقكُّم} (المرسلات 20) بقوله: فبعضهم أتى بالقاف غير مقلقل ... وبعضٌ أَتى بالكاف خالصةً تلا) [2] .
وخلاصة القول في هذا النوع من الإدغام هو اتفاق القرَّاء على إدغام القاف الساكنة في الكاف من قوله تعالى: {نَخْلُقكُّم} ، لكنهم اختلفوا في كيفية الإدغام: هل تبقى صفة الاستعلاء في القاف أم لا؟ فذهب البعض إلى إبقاء صفة الاستعلاء كمكي بن أبي طالب كما في (التبصرة) وغيره، وذلك بالمحافظة على سكون القاف من غير قلقلة.
وذهب الجمهور إلى الإدغام المحض وعدم إبقاء هذه الصفة، وكلا الوجهان جائزان لجميع القرَّاء إلَّا السوسي عن أبي عمرو فلا يجوز له إلَّا الوجه الثاني وهو الإدغام المحض، لأن مذهبه إدغام القاف المتحركة في الكاف إدغامًا محضًا فإدغام القاف الساكنة في الكاف إدغامًا محضًا أولى.
فرأي الجمهور مقدم، لأنهم لم يعتدوا بصفة الاستعلاء فكان الإدغام كاملًا بحيث يصبح الحرف مشددًا، وأما رأي من أدغم إدغامًا ناقصًا كمكي فإنه أبقى صفة الاستعلاء واعتد بها، فعليه فإن القارئ مخير بين الوجهين، والأولى تقديم رأي الجمهور، وهو الإدغام الكامل (أَلَمْ نَخْلُكُّمْ) .
(1) النشر في القراءات العشر 1/ 221.
(2) انظر: هداية القاري إلى تجويد كلام الباري 1/ 255.