المطلب الثاني:
اختلافهم في إخفاء النون الساكنة والتنوين
مع حرف الغين والخاء
اختلف أهل الأداء في عدد أحرف الإظهار مع النون الساكنة والتنوين؛ فالجمهور على أنها ستة وهي التي مجموعة في أوائل البيت الآتي: (أَخِي هَاكَ عِلمًا حَازَهُ غَيرُ خَاسِرٌ) ، وعند أبي جعفر المدني أربعة هي الهمزة والهاء والعين والحاء لقربهما من أقصى اللسان القاف والكاف، فقد جعل الخاء والغين من حروف الإخفاء مع غنة يصاحبها. واختلف عنه في ثلاث كلمات في كتاب الله تعالى، قوله: {إنْ يَكُنْ غَنِيًّا} في النساء الآية (135) و {الْمُنْخَنِقَةُ} في المائدة الآية (3) و {فَسَيُنْغِضُونَ} في الإسراء الآية (51) بلا خلاف من طريق الدُّرة في الثلاث كلمات، قال ابن الجزري: (وبغين خا الاخفا سوي .... ينغض يكن منخنق ألا) ، وبالخلاف من طريق الطيبة فيها. (لا منخنق ينغض يكن بعض أبي) .
وحروف الإظهار مرتبة من حيث المخرج: فالهمز والهاء يخرجان من أقصى الحلق، والعين والحاء يخرجان من وسط الحلق، والغين والخاء يخرجان من أدنى الحلق. وتسمى هذه الحروف بحروف الحلق.
وقال البنّاء في (الإتحاف) : (الإظهار وهو عند حروف الحلق الستة وهي: الهمزة نحو: {وَيَنْأَوْنَ} فقط {مَنْ ءَامَنَ} ، {عَادٍ إِذْ} والهاء {عَنْهُمْ} ، {مِنْ هَادٍ} ، {امْرُؤٌ هَلَكَ} والعين {أَنْعَمْتَ} ، {مِنْ عِلْمٍ} ، {حَقِيقٌ عَلَى} والحاء {وَانْحَرْ} ، {مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} والغين {فَسَيُنْغِضُونَ} ، {مِنْ غِلّ} ، {مَاءٍ غَيْرِ} الخاء {الْمُنْخَنِقَةُ} ، {إِنْ خِفْتُمْ} ، {يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} فاتفق القراء على إظهار النون الساكنة والتنوين عند الستة لبعد المخرجين، إلَّا أن أبا جعفر قرأ بإخفائهما عند الأخيرين الغين والخاء المعجمتين كيف وقعا، لكن استثنى بعض أهل الأداء له {فَسَيُنْغِضُونَ} (الإسراء الآية: 51) {يَكُنْ غَنِيًّا} (النساء الآية: 135) {وَالْمُنْخَنِقَةُ} (المائدة الآية: 3) فأظهر فيها كالجمهور وفي النشر الاستثناء أشهر وعدمه أقيس) [1] .
وقال في تنبيه الغافلين: (ولا خلاف بين القراء في إظهار النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف الستة إلَّا ما وقع لأبى جعفر من القرَّاء العشرة من الإخفاء عند الغين والخاء المعجمتين واستثنى بعض أهل الأداء له {فَسَيُنْغِضُونَ} و {إنْ يَكُنْ غَنِيًّا} و {وَالْمُنْخَنِقَةُ} فاظهر النون فيها كساير القراء) [2] .
وقد روي عن ورش في نقل حركة الهمزة إلى النون الساكنة والتنوين وأسقطها من اللفظ لثقلها كما في قوله تعالى: {منْ ءَامَنَ} ، {عَادٍ إِذْ} .... وما شابهما.
(1) إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر 1/ 46.
(2) تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين عما يقع لهم من الخطأ حال تلاوتهم لكتاب الله المبين ص 100.