سبب الإظهار:
إن سبب الإظهار يعود إلى اتباع مذهب الخليل الفراهيدي وتلميذه سيبويه ومن سائر على نهجهما من أهل الأداء كابن الجزري.
فمن روى الإظهار اختلف عنه في باب الإدغام الكبير عن الدوري، فالداني قرأ بوجه الإدغام على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر، والذي بدوره قرأ على ابن مجاهد وهي طريق التيسير المسندة، ثم تراجع ابن مجاهد إلى الإظهار اختيارًا واستحسانًا ومتابعة لمذهب الخليل وسيبويه قبل موته بمدة وجيزة، فالأمر متعلق بالإدغام الكبير، فالذي أظهر الكبير أظهر الصغير، والذي أدغمهما فمن باب أولى إدغام الصغير.
قال ابن الجزري في النشر: (( قُلْتُ) : وَالْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ. فَمَنْ أَدْغَمَ الْإِدْغَامَ الْكَبِيرَ لِأَبِي عَمْرٍو لَمْ يَخْتَلِفْ فِي إِدْغَامِ هَذَا، بَلْ أَدْغَمَهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَمَنْ رَوَى الْإِظْهَارَ اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الدُّورِيِّ. فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى إِدْغَامَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَى إِظْهَارَهُ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْإِدْغَامِ، وَالْوَجْهَانِ صَحِيحَانِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو. وَبِالْإِدْغَامِ قَرَأَ الدَّانِيُّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ قِرَاءَتِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْنَدَةُ فِي التَّيْسِيرِ ; قَالَ الدَّانِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِدْغَامِ إِلَى الْإِظْهَارِ اخْتِيَارًا وَاسْتِحْسَانًا وَمُتَابَعَةً لِمَذْهَبِ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسِتِّ سِنِين. (قُلْتُ) : إِنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُجَاهِدٍ فَإِنَّمَا هُوَ فِي وَجْهِ إِظْهَارِ الْكَبِيرِ. أَمَّا فِي وَجْهِ إِدْغَامِهِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَدْغَمَ الرَّاءَ الْمُتَحَرِّكَةَ فِي اللَّامِ فَإِدْغَامُهَا سَاكِنَةً أَوْلَى وَأَحْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ) [1] .
المطلب الثالث:
اختلافهم في إدغام القاف بالكاف في {نَخْلُقْكُمْ}
اختلف القرَّاء في إدغام القاف بالكاف في قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} من سورة المرسلات الآية (20) على مذهبين:
الأول: بالإدغام الكامل وذلك بذهاب ذات الحرف والصفة وهو مذهب الجمهور.
والثاني: بالإدغام الناقص في بقاء صفة الاستعلاء في القاف وذهاب ذات الحرف وهو مذهب بعض أهل الأداء.
والوجهان صحيحان، والمقدم هو الإدغام المحض.
قال الشيخ عبد الفتاح القاضي في البدور الزاهرة: (اتفقوا على إدغام القاف في الكاف ثم اختلفوا هل تبقى صفة الاستعلاء في القاف أم لا؟ فذهب البعض إلى إبقاء صفة الاستعلاء وذهب الجمهور إلى الإدغام المحض وعدم إبقاء هذه الصفة. وهذان الوجهان جائزان لجميع القرَّاء إلَّا السوسي فلا يجوز له إلَّا الوجه الثاني وهو الإدغام المحض لأن مذهبه إدغام القاف المتحركة في الكاف إدغامًا محضًا فادغام القاف الساكنة في الكاف إدغامًا محضًا أولى) [2] .
(1) النشر في القراءات العشر 2/ 13.
(2) البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة ص 641.