وقد ذهب فريق من العلماء إلى أن علة الإدغام هنا التماثل للنون، والتجانس للميم، والتقارب في (اللام والراء والواو والياء) .
وذهب آخرون إلى أن وجه الإدغام في النون التماثل، والميم التجانس في الغنة والجهر والانفتاح والاستفال وبعض الشدة، وفي الياء والواو التجانس في الجهر الانفتاح والاستفال، والمشابهة في الغنة المدّ، ومن ثم أعرب بالنون في الأفعال الخمسة كما أعرب بحروف المدّ في الأسماء الستة.
قال الداني واصفًا سبب الإدغام: (وإنما ادغمت النون والتنوين في هذه الحروف للقرب الذي بينهما وبينهن والتشاكل والمشابهة، فادغما في الراء واللام لقرب خروجهما من مخرجهما على طرف اللسان، وقد قيل إنهن من مخرج واحد. وادغما في الميم للمشاركة التي بينهما وبينها في الغنة، حتى كانك تسمع النون كالميم والميم كالنون لنداوة صوتهما) [1] .
بينما يقول النويري (رحمه الله) : (الإدغام في الميم التجانس في الغنة والجهر والانفتاح، وفي الواو والياء التجانس في الغنة والجهر) [2] .
وذهب فريق آخر إلى أن: (التماثل للنون والتقارب للحروف(يرملو) لأن حد التجانس لا يتفق هنا).
وممن ذهب للتقارب بين الميم والنون صاحب كتاب اللطائف حيث قال: (فإن قلت النون من طرف اللسان وفوق الثنايا والميم من بين الشفتين وبينهما مخارج فلما ساغ الإدغام مع التباعد والجواب بأنه قد يحصل للمتباعد وجه يسوغ إدغامه فالوجه الذي قرب بين النون والميم ونحوهما الغنة التي اشتركا فيها فصارا بذلك متقاربين) [3] .
وذهب فريق من أهل العلم إلى تعريف التجانس بأنه: ما اتفق مخرجًا واختلف صفة أو العكس بمعنى ما اتفق صفة واختلف مخرجًا.
وقال صاحب كتاب (المفيد في علم التجويد) : (ووجه الإدغام في النون التماثل، وفي الميم التجانس في الغنة، والجهر والانفتاح والاستفال، وبعض الشدة، وفي الياء والواو التجانس في الانفتاح والاستفال والجهر، ولما كانت الواو من مخرج الميم أدغم فيها كما أدغم في الميم ثم أدغم في الياء لشبهها بما أشبه الميم وهو الواو، وأدغم في اللام والراء للتقارب في المخرج وفي أكثر الصفات) [4] .
فيما تقدم تبين لنا أن هناك عدة مذاهب: منها من يُصَيّر حكم إدغام النون مع الواو أو الياء من قبيل التجانس لأنهما متفقان صفة لا مخرجًا كما بين النويري وصاحب كتاب المفيد في علم التجويد، فقال: (وفي الياء والواو التجانس في الانفتاح والاستفال والحهر) ... ، ومنها من يجعلها من قبيل التقارب كصاحب كتاب اللطائف وغيره، ومنهم من قال هو إدغام مستقل بذاته، والذي أميل إليه هو الأول لاتفاقهما صفة لا مخرجًا ... والله أعلم.
(1) التحديد في الإتقان والتجويد ص 112 - 113.
(2) انظر: شرح طيبة النشر في القراءات العشر للنويري 1/ 558.
(3) نقلا عن نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن المجيد ص 119.
(4) انظر: المفيد في علم التجويد: د. حمدي بخيت عمران ص 50.