يقول الدكتور صبحي إبراهيم الصالح حول هذا: (ويظن بعض الباحثين المحدثين أن القراء والنحاة العرب خلطوا خلطًا كبيرًا في تحديد المخارج والصفات [1] ، ويستشهدون على ذلك بتردد بعض الحروف بين مخرجين أو أكثر، أو بين مخرج وصفة، أو إسقاط بعض الصفات والتفصيل في بعضها. والحقُّ أن هذا الخلط إنما جاء النحاة من شدة أمانتهم وحرصهم على أن ينقلوا الآراء جميعًا، فالنون مثلًا عند بعضهم تسمى ذلقية تارة؛ لأنها تخرج من ذلق اللسان، وخيشومية تارة أخرى؛ إذ ينطق بها في تجويف الفم وهو الخيشوم؛ وكل يراعي ناحية، وكل جدير أن ينقل قوله، ولا يهمل. على أنك لو أخذت بمنهج واحد منهم وقنعت بتقسيماته واصطلاحاته لما وجدته يخلط أو يناقض نفسه، وهم جميعًا - بعد هذا كله - أسمح من أن يضيق بعضهم على بعض فيما ذهبوا إليه أو اصطلحوا عليه، فمخارج الحروف وصفاتها تخضع للملاحظة المباشرة، وكلما تجددت هذه الملاحظة ولدت مصطلحات جديدة، وتسميات مستحدثة، ومن هنا رأينا هؤلاء القرَّاء - بعد تفصيل رأيهم في صفات الحروف مثلًا - ينبهون إلى التقسيمات الأخرى ويقولون بكثير من الحيطة والحذر: وللحروف صفات أخرى غير مشهورة تركناها خوفًا من الإملال والتطويل) [2] .
اختلافهم في هل أن الأحرف المصمتة والمذلقة من المخارج أم من الصفات؟:
ذهب بعض أهل الأداء إلى أن صفتي الإصمات والإذلاق ليسا من الصفات ولا ينبغي أن يضافا إلى المخارج، ولذلك لم يعدهما المالقي والداني في التيسير ولم يذكرهما الشاطبي (رحمه الله) في منظومته، لأن الإصمات ليس خاص بالحروف بل خاص بالكلمة أي لا توجد كلمة فيها أربعة أو خمسة أحرف إلَّا وفيها حرف مذلق فلا دخل لهذا التعريف بالصفات وأيضًا الإذلاق حروفه تخرج من طرف اللسان والشفتين فلا دخل لذلك في الصفات؟ إنما هو خاص بالمخرج .. بينما نجد الفريق الثاني من علماء اللغة والصوتيات والتجويد، وهم الجمهور وعلى رأسهم إمام الفن ابن الجزري قد جعلوهما من الصفات التي لها ضد، وهذا هو الصحيح والمقدم. والله أعلم.
نخلص مما تقدم إلى ما يلي:
-اختلف علماء الصوتيات في شأن مخارج حروف الذلاقة، فمنهم من جعلها من حيز واحد وهم؛ من القدامى الفرَّاء وقطرب وابن كيسان والجرمي وآخرين، ومن المحدثين الدكتور غانم قدوري الحمد وغيره. ومنهم من جعل لكلٍّ من اللام والنون والراء حيز ومخرج خاص به كسيبويه وقد فصَّل في ذلك كما تبين لنا فيما سبق.
-واختلف هؤلاء حول جريان النفس في شأن النون من الخيشوم، فالدكتور غانم قدوري متفق مع سيبويه في تحديد مخرج النون، إلَّا أن سيبويه لم يذكر جريان النفس من الخيشوم، ولم يكن سيبويه يغفل عن الخياشيم. ووافق الدكتور غانم علماء التجويد في جريان النفس في النون من الخيشوم كالإمام أبي عمرو الداني وغيره، ورأى أن إضافة الخياشيم لهذا المخرج من الإضافات القيمة التي أضافها علماء التجويد.
(1) انظر: مناهج البحث في اللغة ص 85.
(2) دراسات في فقه اللغة 1/ 284.