من كلام السلف وقال كما قال زيد بن ثابت: (القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول) ، وذكر من كلام ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إني قد سمعت القرَّاء، فوجدتُهم متقاربين فاقرأوا كما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع، فإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال) وانتهى من ذلك إلى قوله: (ليس لأحد أن يقرأ بمجرد رأيه بل القراءة سنة متبعة) إلى أن قال: (والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف) [1] أي ما أخذ بالتلقي من أفواه أهل التخصص.
وهذا الذي أفتى به شيخ الإسلام، وهو ما عليه جميع علماء القراءة وقد نص عليه غير واحد من أعيانهم:
فقد قال العلامة المحقق الشيخ أبو العاكف محمد أمين المدعو بعبد الله أفندي زادة شيخ الإقراء في وقته باستانبول في كتابه (عمدة الخلان شرح زبدة العرفان في القراءات العشر) ما نصه: (فلا يجوز لأحد قراءة القرآن من غير أخذ كامل عن أفواه الرجال المقرئين بالإسناد. ويحرم تعليم علم القراءة باستنباط المسائل من كتب القوم بمطلق الرأي بغير تلق على الترتيب المعتاد لأن أركان القرآن اتصال السند إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلا انقطاع فالإقراء بلا سند متصل إليه عليه الصلاة والسلام مردود وممنوع عن الأخذ والاتباع) [2] .
وكذلك فإن العلامة المحقق والباحث المدقق فضيلة الشيخ علي محمد الضباع شيخ القرَّاء والإقراء بالديار المصرية الأسبق. لما وقع له ذكر التلفيق في القراءة عظَّم أمره وقال: (هو خلط الطرق بعضها ببعض وذلك غير جائز) [3] .
وقال الإمام النويري (رحمه الله) في شرح الدَّرة [4] : (والقراءة بخلط الطرق أو تركيبها حرام أو مكروه أو معيب) [5] .
وقال القسطلاني في لطائفه: (يجب على القارئ الاحتراز من التركيب في الطرق وتمييز بعضها من بعض وإلَّا وقع فيما لا يجوز وقراءةِ ما لم يُنْزَل) [6] .
وأورد الداني بسنده عن أبي هاشم الرفاعي عن سليم عن حمزة قال: (إن الرجل يقرأ القرآن فما يلحن حرفًا أو قال ما يخطئ حرفًا وما هو من القرآن في شيء) [7] .
قال الداني معقبًا على هذه الرواية: (يريد أنه لا يقيم قراءته على حدّها، ولا يؤدي ألفاظه على حقها، ولا يوفّي الحروف صيغتها، ولا ينزلها منازلها من التلخيص والتبيين والإشباع والتمكين، ولا يميز بين سين وصاد، ولا ظاء ولا ضاد، ولا يفرق بين مشدد ومخفف ومدغم ومظهر، ومفخم ومرقق، ومفتوح وممال، وممدود ومقصور، ومهموز وغير مهموز،
(1) جامع البيان في تأويل القرآن للطبري 1/ 50، وفضائل القرآن للمستغفري 1/ 371، وهداية القاري إلى تجويد كلام الباري للمرصفي 1/ 299.
(2) هداية القاري إلى تجويد كلام الباري للمرصفي 1/ 299.
(3) المصدر نفسه.
(4) هي: منظومة للإمام ابن الجزري (رحمه الله) نظم فيها ثلاث قراءات وهي قراءات الأئمة أبي جعفر ويعقوب وخلف العاشر، وسبب نظمها تكملة للشاطبية بحيث تصبح الشاطبية مع الدرة جامعتين للقراءات العشر. وعدد أبياتها (241) بيت.
(5) هداية القاري إلى تجويد كلام الباري للمرصفي 1/ 299.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.