وقال الإمام إبراهيم بن عمر الجعبري الخليلي (ت 732 هـ) في (كنز المعاني في شرح حرز الأماني ووجه التهاني) : (وقطع أبو محمد البغدادي بعدم إخفائها عند الباء في قوله:
(ولا تخفين الميم عند سكونها ... إذا لقيت باء فذاك معطل
وأصل ظهور الميم للغنة التي ... تحل بها والقول فيها يفصل)
القول الثاني: في إخفائها بإطباق الشفتين:
من المعلوم أن مخرج الباء والميم من بين الشفتين، فإخفاؤها بالباء كما يقول بعض العلماء مراعاة للإنطباق والاختصاص، وهو كلام أبي عمرو الداني، وأبي الحسن الأنطاكي، وأبي الفضل الخزاعي، وعبد الوهاب القرطبي، وابن الباذش، وهو اختيار الجمزوري، ومن المحدثين الشيخ المرصفي.
والإخفاء في الاصطلاح هو: عبارة عن النطق بحرف ساكن عارٍ من التشديد على صفة بين الإظهار والإدغام مع بقاء الغنة في الحرف الأول. وفي ما يأتي نذكر بعضًا من أقوالهم:
قال أبو عمرو الداني: (وإذا التقى الميم بالفاء أنعم ببيانه للغنة التي فيه(أي أصل الغنة المظهرة) ... روى عن الكسائي وذلك غير صحيح ولا جائز .... فإن تلقت الميم بالباء فعلماؤنا مختلفون في العبارة عنهما: فقال بعضهم هي مخفاة لانطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على أحدهما وهذا مذهب بن مجاهد، وإلى هذا ذهب شيخنا علي بن بشر قال أبو الحسن ابن المنادى: أخذنا عن أهل الأداء بيان الميم الساكنة عند الواو والفاء وقال أحمد بن يعقوب التائب: أجمع القرَّاء على تبين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيت باء في جميع القرآن، قال: وكذلك الميم عند الفاء وذهب إلى هذا جماعة من شيوخنا .... وبالأول أقول) [1] .
وقال ابن الباذش في (الإقناع في القراءات السبع) : (وإلى هذا ذهب أبو الحسن الأنطاكي، وأبو الفضل الخزاعي، وعثمان بن سعيد، وبه كان يأخذ أصحابه فيما ذكر لي أُبي رضي الله عنه، وكذلك أخذ على عياش بن خلف عن قراءته على محمد بن عيسى، ويحكى أنه مذهب الفرَّاء) ، ثم قال: (وقال لي أبو الحسن بن شريح فيه بالإظهار، ولفظ لي به، فأطبق شفتيه على الحرفين إطباقًا واحدًا) [2] .
فالعبارة متطابقة بين الإخفاء وبين الإظهار فكلاهما بانطباق الشفتين على الحرفين انطباقًا واحدًا.
وقال عبد الوهاب القرطبي في (الموضح في التجويد) عند كلامه عن الميم الساكنة عند ملاقاتها صوت الباء تأييدًا لقول الإمام الداني ما نصه: (فقال بعضهم: هي مخفاة لانطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على أحدهما .. ) [3] .
وقال الجمزوري صاحب التحفة إلى الإخفاء الشفوي مقتصرًا عليه بقوله فيها:
(فالأولُ الإخفاءُ عند الباءِ ... وسمِّهِ الشَّفويَّ للقُرَّاءِ) [4]
(1) التحديد في الإتقان والتجويد ص 109.
(2) الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش 1/ 64.
(3) التحديد في الإتقان والتجويد للداني ص 16، والموضح في التجويد ص 97 وما بعدها.
(4) السعود في قراءة عاصم بن أبي النجود ص 115.