لكن علينا أن نتذكر اننا لا نناقش هنا الصيغ والمعضلات العلمية. فالعلاقات بين العوامل المادية شيء بسيط للغاية؛ والصعوبة تكمن في الامساك بالعوامل الفكرية ذات العلاقة. مع أن مثل هذه التعقيدات الفكرية والاختلافات الحادة للعوامل وعلاقاتها لا تحدث إلا في اعلى مجالات الاستراتيجية فقط. في ذلك المستوى ليس سوى القليل من أولا إختلاف ما بين الاستراتيجية، والسياسية، والزعامة (Statesmanship) وما من شك في أن تأثيراتها عند ذلك المستوى وكما سبق لنا القول، اعظم وأكبر من حيث الكمية، والوزن، مما في اشكال التنفيذ. فحيث ما يكون التنفيذ هو السائد أو المتحكم كما في الأحداث المتفردة في الحرب، وسواء كانت هذه الاحداث صغيرة أو كبيرة، فان العوامل الفكرية تتقلص الى الحد الأدني.
كل شيء في الاستراتيجية بسيط، لكن لا يعني ذلك أن كل شيء سهل جدا. فحالما يتم القرار، وانطلاقا من الظروف السياسية، ما الذي تتوخى الحرب انجازه، وما الذي بوسعها انجازه؟، فمن السهل عندها رسم مسار الاحداث. الا ان المضي في تنفيذ ذلك بثبات يتطلب قدر كبير من قوة الشخصية، وكذلك الكثير من الوضوح الفكري، ومثانة العقل، لكي تنفذ الخطة الموضوعة وان لا تترك كالقشة في مهب الريح وعرضة لالاف التحولات والتغييرات. لتأخذ أي عدد من عظماء الرجال فسنجد اننا اخترنا البعض بسبب قدراتهم الفكرية، وآخرين لفطنتهم، والبعض الشجاعتهم او لقوة وتماسك ارادتهم، ولكن ما من رجل واحد يمتلك مزيجا من كل هذه الخصائص الضرورية لجعله أعظم من القادة الآخرين.
قد يبدو ذلك غريبا، الا ان من تأقلم مع هذا الجانب من الحرب سيوافق على أن صنع واتخاذ القرار الاستراتيجي المهم يتطلب من العزم وقوة الإرادة اكثر مما يحتاجه القرار التعبوي. ففي هذا الأخير ينجرف الانسان مع ضغوط اللحظة، مغمورا وسط تيار جارف حيث تكون المقاومة والتحمل مأساويتين، كابحة شكوكه الاولية، وضاغطة بشجاعة في طريقه. الا ان التابع في الاستراتيجية اكثر بطأ. وهناك مجال اعظم لتفهم و ادراك ما يثور من اعتراضات وشكوك و بالتالي اسف والتياع مبكرين. بوسع المرء في الموقف التعبوي أن يرى وبالعين المجردة نصف المعضلة على الاقل، اما في الاستراتيجية فلابد من تخيل كل شيء او افتراضه، وبذلك فالقناعة أضعف هنا. ونتيجة لذلك يصاب معظم القادة بالشلل بسبب شكوك ومخاوف لا اساس لها، عندما يتطلب الموقف منهم العمل.