عندما يفرض الموقف زج قسم منها لواجب منفصل. وعندما يتوجب على الجيش تنفيذ مسيرة او تنقل فسيجد نفسه بعيدا عن تشكيلته الأساسية أن جاز قول ذلك. وعندما يكون العدو قريبا يتطلب الأمر جهدا عبقرية لايقاء هذا الخط أو الرتل أو أحد الأجنحة ضمن البعد المناسب عن الاخرين بغض النظر عن المواقع الموجودة على الطريق، من الضرورات المطلقة اخفاء التنقلات عن العدو، ولصوصية كهذه تسهل التملص من أية عقوبات (تدخلات معادية لا لسبب سوى أن العدو محکوم برياط مشابه من العبودية(Bondage) .
اكتشف في النصف الثاني من القرن الثامن عشر أن بوسع الخيالة حماية الاجنحة بمجرد وضعها خلف الجيش و كما لو أنها تشكل امتدادا للخطوط، بل واكثر من ذلك فيمكن استخدامها لأغراض أخرى غير مقاتلة خيالة العدو. لقد كان ذلك خطوة كبرى الى الامام، ولو لسبب واحد فقط هو أن جبهة الجيش - اي عرض ترتيبه - اصبحت الان مؤلفة من وحدات متجانسة؛ ويمكن بذلك تجزأتها الى اي عدد نريده من وحدات متشابهة فيما بينها من جهة وللكيان الأكبر (الجيش) ايضا. وبذلك لم يعد الجيش تلك الكتلة الصلبة أو المونوليث (Monolith) (1) ، بل مجموعة كيانات مترابطة وسلسلة مرنة، يمكن افراز واعادة الوحدات بسهولة ودونما إرباك لنظام المعركة. وتلك كانت بداية تشكيل الفيالق من كافة الصنوف والاسلحة - أو بالأحرى ما جعل ذلك ممكنا؛ فقد دعت الحاجه الى مثل ذلك التنظيم منذ زمن بعيد.
من المفهوم أن منشأ ذلك كله في معركة، اعتدنا على اعتبارها حربا كاملة وستظل دائما عنصرها الرئيسي. الا أن نظام المعركة في الحقيقة مسألة تعبوية اكثر منها استراتيجية، وغايتنا الوحيدة في تتبع تطور نظام المعركة هناء هي لتوضح كيف أن التعبية ومن خلال اعادة تنظيم الجيش ككل في وحدات أصغر قد مهدت السبيل أمام الاستراتيجية
ومع تزايد حجم الجيوش، وانفتاحها فوق مناطق واسعة، ومع تزايد امكانية دمج أجزائها المنفردة بشكل فعال، كلما ازداد توسع نطاق الاستراتيجية. لذلك فان نظام المعركة وكما عرفناه محدد بالتفاعل مع الاستراتيجية، يتضح هذا التفاعل اکثر في نقاط التقاء الاستراتيجية والتعبية - ويكلمة اخرى عندما يتحول الانفتاح العام للجيوش الى الترتيب الحقيقي للمعركة
(1) . المونوليت او المثليث حجر اسود ضخم كتلة واحدة كعمود أو سلة - قاموس المورد ص 589.