أن هذا القتال ليس قتالا فطريًا، فإن الأمور الفطرية لا يؤمر بها ابتداء كما هو مقرر في علم الأصول، لأن النفوس تترع إليها، كالأكل والشرب والنوم، وما ورد من الآيات والأحاديث الآمرة بهذه الأمور وأمثالها من أعمال السجية الإنسانية لم تكن ابتداء في بعضها إنما لبيان إتيانها على وجهها الصحيح، كقوله تعالى: (يا أيها الناس كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) [البقرة: 168] وكقوله: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما زرقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون، إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنرير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) [البقرة: 172] وكقوله: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) فهذه الأوامر لبيان أحكام شرعية تتعلق بالطعام والشراب وليست أمرًا بها، إذ أن الإنسان ومنه المؤمنون يعلمونها بفطرة وسجية خالصة، وأما النوع الثاني كقوله سبحانه: (ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها) فإن فطرة الإنسان إتيان البيوت من أبوابها، أي حضورها من غير تكلف أن يلف حولها ليدخلها من الخلف، ولما كان الأنصار في حج الجاهلية يتكلفون دخول المدينة من ظهرها وليس من وجهها فنبههم القرآن إلى أن هذا ليس من التقوى التي يحبها الله تعالى، بل هي من التكلف المذموم، وهذا بخلاف رجوعه صلى الله عليه وسلم من مصلى العيد من غير الطريق الذي ذهب فيه إلى المصلى، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في رده على من أراد التعبد بترك الأكل والشرب والنكاح، فإن صدور هذه الأوامر منه لم تكن ابتداء إنما كانت ردًا على من تكلف تركها تعبدًا لله تعالى، أو كأمره بالإفطار في رمضان عند مواجهة العدو لأنه أقوى لهم، فهذا أمر على غير الأصل الذي يوجبه الوقت وهو الصيام، فالمقصود أن الأمور الفطرية لا يؤمر بها الإنسان إلا لما تقدم وأشباهه كالتنبيه على أجرها وترك أضدادها من المعاصي كبيانه صلى الله عليه وسلم أجر من أتى أهله وقال: (أرأيت إن وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟) ، ومن الأمور التي يعرفها الناس بفطرهم لأنها من سجية الأثرة والتملك هي الدفاع عن أنفسهم وأموالهم وديارهم وأعراضهم، وهي غريزة لا ينفك الإنسان عنها إلا بمرض أو دين باطل يدين به، فدفاع الناس عن أموالهم وأعراضهم وما يملكون من الفطرة التي توجبها غريزة الأثرة وحب التملك، ومن ذلك دفع المعتدي لرد إيذائه وظلمه، فهذه أمور لا تأتي بها الشريعة إلا على ما تقدم من الوجوه وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم (من مات دون ماله فهو شهيد) كما سيأتي شرح هذا الحديث إن شاء الله، فما أمر المؤمنون من القتال في كتاب الله تعالى وفي الحديث -وهي كثيرة- إنما هي على غير المعنى الذي تعرفه النفوس بفطرتها وغريزتها، بل ما تعرفه الدواب في سلوكها وغريزتها، وهذا المعنى لا تنشط له هذه النفوس إلا بتحريض إلهي طلبًا للأجر والمثوبة ولذلك قال تعالى عن هذا النوع من القتال: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لاتعلمون) ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تركه وقال: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق) فهذه لا يمكن فهمها إن أنصف المرء إلا على قتال واحد وهو القتال الذي يشرع فيه الإنسان ولا يكون ردًا على قتال، إذ كيف يحدث المرء نفسه أن يغزو في رد العدوان إلا بتمنيه أن يغزوه الأعداء، وهذا لعمر الحق فساد لا يقوله عاقل، ولو تدبر الناس هذا لوجدوه من أعظم الردود على من زعم أن القتال لا يكون إلا لهذه المعاني الإنسانية الجامعة التي توجبها غريزة الأثرة الإنسانية إذ هذا النوع من القتال تترع له النفوس دون التحريض الشديد الوارد في الكتاب والسنة، وهذا ما هو مشاهد في حياة البشرية وتاريخ الأمم، ولما كان القتال في الإسلام على معنىً آخر وهو نشر الإسلام ومبادئه وتشريعاته فإن الأمر جاء به ابتداء في الكتاب والسنة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... )