حدوثه إلا بقول آخر يسبقه لأنه حادثٌ يريد وجوده وذلك يؤدّي إلى التسلسل وإلى ما لا يتناهى وهو محال.
وقالت النصارى هو جوهر وزعموا أن المراد بقولهم جوهرٌ إنه أصل الأقانيم الثلاثة وهي: الوجود والحياة والعلم.
ويُعَبَّرون عن الوجود بالأب وعن العلم بالكلمة وقد يسمونها ابنًْا.
ويُعَبَّرون عن الحياة بروح القدس ولا يعنون بالكلمة الكلام لأن الكلام عندهم مخلوق.
والأقانيم عندهم هي الجوهر بلا زيادة.
والجوهر واحد والأقانيم ثلاثة.
وليست الأقانيم عندهم موجودات.
ثم زعموا أن الكلمة حلّت جسم عيسى كحلول العرض بالجوهر.
وقال بعضهم: الكلمة مازحت جسد المسيح كالخمر يمازج اللبن.
والدليل على إنّه لا يوصف بأنه جوهر، أن الجوهر لا يخلو من الحوادث وقد ثبت بالدليل إنه لا يجوز أن يوصف ذاته بالحوادث.
ولأن الجواهر متحيَّزة والحقُ سبحانه وتعالى لا يجوز أن يكون متحيَّزًا.
والدليل على فساد برهان النصارى أن نقول لهم: بما أنكرتم على من يثبت أربعة أقانيم ويعد القدرة أقنومًا آخر مثل العلم سواء؟ وبماذا يرجح قولكم على قولهم؟ ولأن الكلمة على زعمهم حلّت في المسيح فهل فارقت الجوهر أم لا؟ فإن زعموا أن العلم فارق الجوهر لم يجز أن يكون الجوهر ثلاثة أقانيم، حين صار العلم حالًا في جسد المسيح.
وإن قالوا: لم يفارقه، فكيف حلّ جسد عيسى مع قيامه بالجوهر الأول؟ إذ لا يجوز حلول صفة في جسم مع بقائها في جسم آخر.
ولأنه لو جاز أن تحل الكلمة في المسيح جاز أن يحل الجوهر بنفسه في المسيح وما أنفصل.
وإنه لو جاز أن تحل الكلمة في المسيح جاز أن يحل فيه روح القدس وهي أقنوم الحياة.
فإن من حكم العلم أن لا يفارق الحياة ولا يتصور وجوده دون الحياة.
ويقال: بم تنكرون على من يقول أن الكلمة حلّت جسد موسى، صلوات الله عليه، ولذلك كان يقلب العصا ثعبانًا ويفلق البحر؟ ولأنهم قالوا: المسيح ابن الإله واتفقوا أن المسيح ناسوت ولاهوت حتى أطلق القول بأنه صُلب المسيح وقالوا: إنما صُلب الناسوت دون اللاهوت وإطلاق اسم الإله يقتضي بمحض الإلهية.