فالصحيح ما يؤدي إلى المقصود والفاسد ما لا يؤدّي إلى المقصود وفساده بطريقين: أحدهما بأن يعدل من الدليل إلى الشبهة والثاني بأن يطرأ على الدليل فيمتنع تمام النظر.
فصل لا واجب عند أهل الحق إلا من جهة الشرع والسمع، ولولا ورود الرسل لما وُجِبَ على العباد شيء، والعقل طريق المعرفة.
وذهبت المعتزلة إلى أن العقل موجب حتى إنّا لو قدرنا أن الله تعالى لم يبعث إلينا رسولًا لكان يجب علينا أن نعرف الله تعالى ونشكره.
والدليل على أن واجب إلا بالشرع قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} ...
وقوله تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وسنذكر المسألة على الاستقصاء.
فإن قال قائل: إذا نفيتم وجوب الأشياء عقلًا وعوَّلتم في وجوبها على السمع كان فيه إبطال النبوّات.
وذلك لأن أوّل رسول يرد من الله تعالى ويدعوا إليه لا يُعْلمُ صِدقُهُ إلا بالنظر في معجزته.
ور يجب النظر إلا بدليل سمعي، وقبل ورود الرسل لم يُثْبَتْ شرعٌ يلزم النظر بحكم ذلك الشرع.
فلا يلزمهم النظر في المعجزة وفيه إبطال النبوّات.
قلنا: عين هذا السؤال يتوجه على من يقول بالوجوب عقلًا.
فإن الطريق عندهم أن العاقل ربما يخطر بقلبه أن له صانعًا خالّقه وأوجده وأنعم عليه وأراد شكره على ما أنعم عليه.
ومن لم يخطر له هذا الخاطر وتغافل، فليس يعلم وجوب النظر في المعجزة ولا وجوب معرفة الصانع، وعندهم معرفة الله والنظر في المعجزة واجب.
ثم جواب آخر أن نقول لهم: ليس من شرط الوجوب شرع مستقرّ قبل ورود الرسل، ولكن الشرط ورود الرسل وظهور الدلالة في الظاهر وتمكّن المخاطب من النظر فيه.
فإذا وجد ذلك وجب النظر في المعجزة.
فلم يتضمّن قولنا إبطال النبوَّات.