ولو افتقرت الإرادة إلى إرادة أخرى لافتقرت تلك الإرادة إلى مثلها فيتسلسل وهو باطل.
فثبت أن إرادته قديمة.
فإن زعموا أن الإرادة لا تراد في نفسها لكن يراد بها فهو خطأ.
لأنه لو صحّ ما قولوا في الإرادة، لصحّ قول جهم في العلم إن لله تعالى علومًا ثابتة يعلم بها الحوادث ولا يعلم العلوم في نفسها.
ولما كان قول جهم في العلم باطلًا كذلك قولهم في الإرادة.
ثم نقول: من أصلكم أن المثلين يحب اشتراكهما في جميع الصفات وإرادتنا مثل الإرادات الحادثة لاشتراكهما في الوصف الأخص وهو كونهما إرادة.
ومن حكم إرادتنا القيام بالمحل فأثبتوا لإرادة البارئ تعالى محلًا.
ثم يلزمكم من ذلك قيام إرادته بحمار أو كلب وذلك محال.
فإن قالوا: الإرادة من شرطها الحياة وبنية مخصوصة لا تتعلق بكل محل.
فنقول في إثباتكم إرادةَّ لا في محل نفي المحل والبنية والصفة التي أشرتم إليها.
فإذا جاز نفي أصل المحل لِمَ لا يجوز نفي شرط المحل حتى تقوم إرادته بكل بنية مخصوصة؟
وذهب جهم بن صفوان إلى أنّه ليس لله تعالى علم قديم ولكن له علوم حادثة على عدد المعلومات وكلما تجدّد شيء حدث لله تعالى علم يتعلق به يكون وقوع ذلك العلم سابقًا على وقوع المعلوم وتتعاقب العلوم كما تتعاقب المعلومات.
والدليل على بطلان قوله أن الحوادث قد افتقرت إلى علوم تتقدمها والعلوم مشاركة للحوادث في كونها أفعالًا حادثة.
فوجب أن تتقدمها علوم غيرها.
وفي ذلك إثبات علوم لا نهاية لها.
ويقضى ذلك إلى القول بقِدم العالم.
فإن قالوا العلوم تحدث من غير معلوم تتقدمها فيلزمهم من ذلك استغناء جملة الحوادث عن العلم وهو باطل على القطع.
ومن الدليل على بطلان قوله أن العلوم الحادثة لا تخلو إمّا أن تكون في غير محل أو قائمة بأجسام أو قائمة بذات البارئ.
فإن زعم أنها قائمة لا في محل فالرد عليه مثل الرد على معتزلة البصرة في الإرادة.
وإن زعموا قيامها بذات البارئ فالكلام عليه مثل الكلام على الكزامية حيث جوّزوا قيام الحوادث بذاته.
وإن زعموا قيام العلوم بأجسام لزمهم من ذلك أن يقوم علم بجسم والعالم به جسم آخر، وذلك باطل على القطع.
شبهة الجهمية: قالوا البارئ تعالى عاِلمٌ بأزله العَالم سيقع، فلما وقع كان ذلك معلوماًَ متجددًا، لأنه [وقع] من قبله ما علمه.
وإذا تجدّد له حكم اقتضى تجدد موجب الحكم.
وفي ذلك إثبات علوم متجددة.