قلنا: هذا الخاطر يعارضه مثله وذلك أن العاقل يخطر له كونه عبدًا محكومًا عليه وأن ليس للمملوك إلا ما أذَن فيه مالكه وإنه لو أتعب نفسه صارت مكدودة من غير إذن مولاه وإن مالكه غنى عن شكره وإنه كما يبتدئ بالنعم قبل الاستحقاق لا يبتغي بدلًا عليها.
ولو فعل كان منه سوء أدب.
فإذا كان هذا الخاطر معارضًا للأول فقضية العقل فيه وانتظار الأمر والإذن.
والذي يحقق ما قلنا أن الملك العظيم إذا أعطى عبده رغيفًا بالمثل ثم أراد العبد أن يطوف شرقًا وغربًا يثنى على سيده بحسن عطائه وذكر إنعامه لا يعدّ ذلك مستحسنًا.
لأن ما صدر من الملك بالإضافة إلا قدّره مستحق، فيكون العبد مستحقًا للتأديب.
وجملة المخلوقات بالإضافة إلى جلال الله أقل من إضافة رغيف إلى مملكة ملك من ملوك الدنيا.
جواب آخر: إن من لم يخطر له الخاطر الذي ذكروه فطريق العلم لم يوجد في حقه والشكر حتم عليه على قولهم فبطلت قاعدتهم.
وقالت المعتزلة: يجب على الله تعالى من طريق الحكمة أن يخلق الخلق ابتداء وإذا خلق الذين علم إنه يكلفهم فيجب أن يكمل عقولهم ويُزِيحَ العلل حتى يؤمنوا به ويجب عليه أن يفعل ما هو الأصلح لهم وفي دينهم ودنياهم.
ولا يجوز في حكمته أن يبقى مُمَكنًَّا لما فيه صلاحهم في العاجلِ والآجِل.
وإذا أطاع العبد مولاه فيما أمره به يجب على الله أن يثيبه عليه وأن يُعَوَّضَه عمّا لحقه من الإله.
والدليل على بطلان قولهم أن يقال لهم أيش تريدون مما أثبتم من الوجوب؟ فإن قالوا: أردنا به توجُّه أمر كان عليه محالًا لأن الله تعالى هو الآمر وحده، لا آمر سواه.
فإن قالوا: نريد به أنّه يتضرر بتركه، فالبارئ تعالى يتقدّس عن الضرر والنفع إذ لا معنى لهما إلا الألم واللّذة.
وإذا بطل الطريقان ثبت ما ذكرناه.
ويقال لهم: بمَ أوجبتم ثوابَ الأعمال على الله تعالى وأعمالهم شكرٌ على ما سبق من نعمة.
ومن أصلكم أن شكر المِنعمَ واجب وأداء الغرض لا يُسْتَحَق عليه عِوَض؟ ويقال لهم: لو وجب على الله تعالى فعل الأصلح لعباده لوجب على العبد أن يعمل ما هو الأصلح له ولأولاده من أمر الدنيا.
وقد وافقونا على أنّه لا يلزمه أن يعمل في حق نفسه ما هو الأصلح لدنياه.
فإن قالوا: إنما لم نوجب عليه فعل الصلح في حق نفسه لأنه يصير بتَكلُّفِ ذلك مجهولًا متعبًا والبارئ