جواب آخر: لماذا لا يجوز أن يكون ما جابه الرسول مما يستدرك عقلًا إلا أن العقلاء تغافلوا عنه فيكون مجيء الرسول لطفًا من الله تعالى بالقوم لينتبهوا لما تغافلوا عنه فيكون فيه عرض.
جواب آخر: نقول لهم من الأمور ما لا يُسْتَدْرَك عقلًا ويحتاج إليه العقلاء وهو الأغذية الموافقة للبدن والسموم القاتلة، فهلا جوّزتم بعث نبي يبين ذلك لهم ويميز الأغذية من السموم القاتلة؟
ومن شبههم أن قالوا: نرى في الشرائع أمورًا مستقبحة بالعقل مثل ذبح البهائم وغيرها.
والحكيم لا يأمر بالفواحش، وفيها أمور يمنع منها العقل وهو الانحناء في الركوع والإنكباب على الوجه في السجود وخلع الثياب في الإحرام والمشي بين الجبلين في السعي ورمي الحجار وغير ذلك.
وإذا كانت جملة الشرائع مثل هذه الأشياء، والعقل ينكره، علمنا أن الأصل له.
قلنا: أما فصل ذبح البهائم فتوابل.
وإنّا نرى في فعل الله تعالى إيلام البهائم والأطفال من غير جناية ولا يعد ذلك قبيحًا في فعله.
[و] جاز الأمر به.
وأما الثاني فمقابل فإن الواحد منا لو أخذ ثياب غيره وعرّاه ومنع عنه الطعام والشراب مع تمكنه منه يعدّ قبيحًا.
ثم الله تعالى يبلى عنده بالفقر والجوع والعطش ويبليه بسلب جوارحه وأطرفه أطرافه وبسلب العقل حتى يتعاطى في حال جنونه ما يتعاطاه، ولا يعدّ ذلك مستقبحًا.
كذى ما أشاروا إليه من الأمر لا يعد مستقبحًا.
وحقيقة المعجزة امتناع المعارضة وتحدّيه الإتيان بها.
والمعجزة خمس شرائط.
أحداهما: أن تكون فعلًا من أفعال الله ولا يجوز أن تكون صفة قديمة وذلك لأن المعجزة دالة على صدق الرسول خاصّة.
والصفة القديمة لا اختصاص لها ببعض المخلوقات دون بعض.
فإن قال قائل شرطتم في المعجزة كونها فعلًا فلو أن نبيًا ادعى فقال: آية صدقي عجزكم عن القيام عشرة أيام.
عل يكون ذلك معجزة؟ قلنا: نعم فيه راجع إلى الفعل وهو القعود المستمر مع القصد إلى القيام.
والشرط الثاني: أن يكون الفعل خارقًا للعادة لأنه إذا لم يكن خارقًا للعادة استوى فيه الصادق والكاذب.
فلا يظهر الصدق.
فإن قيل: خرق العادة لا يدل على الصدق لأن من المقدور أن يجرى الله عادة لم تعهد قبلها ولو اطردت واستمرت لم يكن معجزة.
وهذا الذي ظهر لا يومن أن يكون ابتداء عادة.
فيقال لهم: لو قال نبّي من الأنبياء: آية صدقي أن يقلب الله العادة ويطردها على خلاف ما هو معتاد لكان دليلًا على صدقة لأن النادر الواحد إذا دلّ على