فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 67

مسألة: من ارتكب كبيرة ولم يوفق للتوبة لم يستحق اسم الكفر ولا يبطل ثواب عمله ولا يستحق التخليد في النار.

والذنوب كلها كبائر عندنا من حيث أنها مخالفة لأمر الرب إلا أنها في أنفسها متفاوتة فبعضها أعظم من البعض.

وقال قوم من الخوارج أنه يستحق اسم الكفر على جهة كفران النعمة.

وقالت المعتزلة: لا نسميه مؤمنًا ولا كافرًا ولكن يسمى فاسقًا وهو [على] منزلة بين منزلتين.

واتفقوا على أنه يستحق التخليد ولا يغفر ذنبه ويبطل ثواب أعماله فنقول لهم: قد قلتم أن البارئ يحبط أعماله بزَلَّة واحدة ونحن نعلم أن من خدم غيرّه مدة وبذل جهده في رعاية حقه، وما وقعت له هفوة وزلَّة، وصاحبه عالم به، قادر على منعه ولم يمنعه، منه أنه لا يحسن إحباط جميع خدمته بسبب ذلك، فإذا كان لا يحسن ذلك فيما بين المخلوقين كيف يجب ذلك على البارئ العظيم؟ وأيضًا فإنه لا كبيرة توازي معرفة الله تعالى كما لا طاعة تقابل الكفر بالله تعالى وإنما يعرف الأشياء بأضدادها، فكان من سبيلهم أن يقولوا تبطل الزلات بالمعرفة، فأما أن يبطل بها ثواب الإيمان فلا.

ولأن الثواب والعقاب إن كانا متنافيين فلم كان إبطال الثواب بالعقاب أولى من إبطال العقاب بالثواب؟ بل إحباط العقاب أولى لأن السمع ورد به.

قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ولأن الكبيرة تفارق الطاعات ولا تمنع صحتها، حتى لو تاب بعده يثاب عليها ولو كان يسقط ثواب طاعة لكان ينافي صحته، كما في حال الردّة ولأن من بغى عليه عبده وعصاه فعاقبه مدة ثم ردَّه إلى الكرامة لم يستقبح ذلك.

فكيف حكموا بأنه لا يجوز من الله تعالى أن يعفوا عنه ويردّه إلى الكرامة؟ ويتضح ذلك بآيات من كتاب الله تعالى.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} .

قوال: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} .

وقال: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} فإن استدلُوا بقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} .

قلنا معناه: ومن يقتل مؤمنًا مستحلًا بقتله.

فيكون معناه: ومن قتل مؤمنًا لأجل إيمانه، ومن يفعل ذلك فهو كافر مخلّدًا في النار.

هكذا قاله ابن عباس وهو ترجمان القرآن.

ثم نعارضه بقوله أن الله لا يغفر أن يُشْرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

ولا يصح حمله على موضع التوبة لأن الله تعالى علق المغفرة بالمشيئة وقبول التوبة, على قولهم فمن تاب يغفر له حتمًا لا.

يتعلق ذلك بمشيئته.

مسألة: شفاعة المصطفى، عليه السلام، حقٌ في حقَّ العصاة من أمته.

وأنكرت المعتزلة له ذلك.

وقالوا لا يجوز الشفاعة لأهل الكبائر وشفاعته، صلى الله عليه، لرفع الدرجات لا لغفران السيآت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت