فإن قيل: إنما حسن ذلك لأن الله تعالى يثيبهم على ذلك بما يزيد نفعُه على ذلك.
قلنا: النفع الذي يصل إليه لا يخلو: أمّا أن يكون في مقدور الله تعالى إيصاله إليه من غير ألم أو ليس ذلك في مقدوره.
فإن زعموا عليه فقد نفوا قدرة الصانع وهو كفر.
فإن قالوا: يقدر عليه: فما الفائدة في إيلامه؟ وهلّا مَنَّ عليه بذلك ابتداء تفضّلًا من عنده من غير ألم؟ فإن قالوا: إنما حسن إيلام الأطفال لغرض فيه وهو أن يعتبر غيره فيمتنع من المعصية.
قلنا: فليس من المستحسن إيلام من لا ذنب له ليعتبر به مُذنْب.
شبهتهم.
قالوا: الذين ينكرون الشرع يعلمون قبح الظلم وكفران المنعم مثل البراهمة.
ولو كان طريق التحسين والتقبيح الشرع لمَا عرفه من ينكر الشرع.
قلنا: من سلّم لكم أن اعتقادا البراهمة علم؟ بل اعتقادهم ليس بعلم، وهو مثل اعتقادهم أن ذبح البهائم وتعريضها التعب قبيح، ولا يعد ذلك علمًا.
قالوا: العاقل إذا عُرض له حاجة ويحصل غرضه بالصدق ويحصل بكذب يصدر منه ولا مزيّة لأحد الطريقين على الثاني، فإنه يختار الصدق ويجتنب الكذب، وإنما يؤثرُ الكذب إذا كان فيه غرض لا يحصل من الصدق وليس ذلك إلا لكون الصدق حسنا بالعقل.
قلنا: هذا الكلام متناقض في نفسه لأن الكذب قبيح يستحق الذم والصدق يستحق المدح، فكيف يتصورّ استوائهما في حصوله الغرض بهما؟ والذي يدل على فساد ذلك أن ما ذكروه يوجب خروج الصدق عن حكم التكليف واستحقاق الثواب عليه، لأن الملجأ إلى الشيء لا يثاب عليه.
وعلى قولهم العاقل مُجبَر على الصدق.
ثم أن هذا الكلام إنما يستمر لهم بعد ورود الشرع بتحسين الصدق وتقبيح الكذب، وأما قبل ورود الشرع واستقراره فلا نسلم لهم ما ادّعوه.
وقالت المعتزلة: يجب على العبد عقلًًا أن يعرف الصانع ويشكره وهذه المسألة كالتي قبلها وقد بينَّا [ها] .
وشبههم في المسألة قالوا: العاقل إذا تأمل في حال نفسه جوّز في ابتداء نظره أن يكون له صانع أنَعمَ عليه وإنه لو شكر المنعم لأثَابَه وتفضّل عليه بالزيادة، ولو كفر لعاقَبَه ومن الجائز أن لا يزيد ذلك.
فإذا تساوى الجوازان فالعقل يُرشِده إلى ما فيه الأمن من العقوبة.
وهذا كما لو قصد السفر إلى بلده ولها طريقان أحدهما آمن والثاني مُخَوَّف ولا غرض له في المُخَوَّف فالعقل يقتضي تقديم ما فيه الأمن والعدول عن طريق الخوف.