والدليل عليه إجماع الأمة والعقلاء على وجوب معرفة الله تعالى، وعلمنا عقلًا أنه لا يُعلم حدوث العالم ولا الصانع إلا بالنظر والتأمُّل، ومت لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
مسألة: العالم محّدث مخلوق، حدث بعد أن لم يكن.
وذهبت الدهرية إلى أن العالم قديم ليس له أوّل لم يزل هكذا ولا يزال يكون هكذا رجل من نطفة ونطفة من رجل، وحبّ من نبات ونبات من حبّ، ودجاجة من بيضة وبيضة من دجاجة، وليل بعد نهار ونهار بعد ليل.
وللكلام فيه طريقان: أحدهما إثبات أصول ومقدمات، إذا صحت وثبتت، ثبت حدوث العالم.
والثاني يدل على بطلان مذهبهم واستحالة قولهم.
أما الطريق الأول فيعتمد ثلاثة أصول:
[الأصل] الأول على إثبات الأعراض وهي المعاني القائمة بالجوهر.
وأنكرت طائفة من الملحدة الأعراض بالكليّة.
وقالوا لا موجود إلا الجواهر.
والدليل على ثبوت الأعراض أنّا نرى الجوهر ساكنًا ثم نراه متحركًا فيتحرّك ويزول عن الجهة التي كان فيها إلى غيرها، مع جواز أن لا يتحركّ ويبقى في جهته.
فإذا كان من الجائز أن يتحرك ومن الجائز أن لا يتحرك، فإذا اختص بالحركة بدلًا عن استمداد السكون لا بُدّ له من موجِب أوجب زواله.
ثم الموجب لا يخلو: أمّا أن يكون نفسه وهو محال، لأن نفسه كان موجودًا قبل ذلك الوقت وبعده والحركة غير موجودة.
فثبت أن الموجب أمر زائد عليه.
فإذا ثبت إنه يقتضي معنى زائد عليه فلابد [من] أن يكون المعنى ثابتًا موجودًا لأن العدم نفى محض والنفي لا يجوز أن يكون حكمًا موجبًا.
فإذا ثبت أن الزائد على الجوهر موجود فلا يخلو: إما أن يكون مثل الجوهر أو خلافه.
فلا يجوز أن يكون مثله لأن مثل الجوهر جوهر آخر، وليس أحد الجوهرين بإيجاب حركة في الآخر بأولى أن يكون الجوهر الآخر موجبًا غير تلك الحركة فيه.
فإذا ثبت أنّه خلافه فلا يخلو: إمّا أن يكون فاعلًا مختارًا أو معنى قائمًا به هو الموجب.
ولا يجوز أن يكون ذلك الخلاف فاعلًا مختارًا