مسألة: التوفيق خلق قدرة الطاعة والخذلان خلق قدرة المعصية، ثم الموفَّق لا يَعْصى لعدم القدرة والمخذول لا يطيع لعدم القدرة.
الربّ تعالى قادر على توفيق جملة العباد وعلى خذلانهم.
والعصمة هي التوفيق بعينه.
ثم قد يكون خاصاًَ على بعض الذنوب.
وقد يكون عامًا - واللطف أيضًا - خلقُ قدرة الطاعة.
وقالت المعتزلة التوفيق خلق لطفٍ بعلم الله تعالى أن العبد يؤمن عنده والخذلان امتناع ذلك.
واللطف خلق فعل بعلم الله تعالى أن العبد يطيع عنده ثم قد يكون الشيء لطفًا في إيمان واحد ولا يكون لطفًا في إيمان غيره.
ثم يجب عندهم على الله تعالى أقصى ما يقدر عليه من اللطف بعبيده حتى يطيعوه.
وليس في مقدوره لطف لو فعله بالكافر لا من عنده.
وهذا كفر وضلال وقد قال الله: {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} .
وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} .
ويقال لهم إذا وجبتم على الله أقصى ما يقدر عليه من اللطف فهل لا قلتم بأنه يُقطع التكليف عمن علم إنه لا يؤمن أو يميته حتى لا يبلغ مبلغ التكليف ويكفر ويستوجب العقوبة، إذ لا عرض في تكليف مَن يعلم إنه لا يؤمن في حياته.
مسألة: الحسن عند أهل الحق ما ورد الشرع بالثناء على فاعله والقبيح ما ورد الشرع بذم فاعله.
وليس الحسن والقبيح صفة زائدة على ورود الشرع.
فأمَّا العقل فلا يحسن ولا يقبح.
وذهبت المعتزلة إلى أن الحسن والقبيح يعلم من طريق العقل فالكفر قبيح والضرر المحض الذي لا غرض فيه قبيح.
والدليل على بطلان قولهم أن يقال لهم: عرفتم قبح ما حكمتم بقبحه ضرورةً أو دلالةً؟ فإن ادّعوا ذلك ضرورة كان محالًا لأنّا لا نساعدهم عليه.
ومن المستحيل اختصاص طائفة من العقلاء بضرب من العلوم الضرورية مع استواء الجميع في مداركها.
وإن قالوا: دلالةً.
فنقول لا يخلو إما أن تكون قبيحة لنفسها أو لمعنى فيها أو لا لنفسها ولا لمعنى.
بطل أن يكون لنفسها أو لمعنى فيها لأن القتل ظلمًا يماثل القتل قصاصًا، والزنى يماثل الوطئ الحلال.
واختلفا في الحسن والقبح.
وبطل أن يكون لا لنفسه ولا لمعنى فيه لاستحالة أن يوجب النفي حكمًا فثبت إنه لورود الشرع به.
ومن الدليل عليه أن الألم واللذة حادثان بقدرة الله ورأينا إيلام الأطفال الذين لم يرتكبوا ذنبًا ولم يصدر منه سبب بوجوب العقوبة.
وكذلك نشاهد إيلام البهائم التي لا تكليف عليهم وهو ضرر محض لا يحكم بقبحه.