فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 67

فأمّا ما قالت الكرّامية فهو إبطال الثواب والعقاب بالكلية.

وذلك لأن الله تعالى إذا أفنى عباده فلا يقدر على إعادتهم.

وأمّا يعيد أمثلة لهم.

فالثواب ليس للمطيع وإنما هو لمثله.

والعقاب لا يكون للعاصي وإنما يكون لمثله ومثله لا طاعة له ولا معصية.

فإن قيل: إذا جوّزتم إعادة الجواهر والأعراض فالأجسام يفنيها الله تعالى بكلياتها جواهرها وأعراضها.

ثم يعيد أم يغنى أعراضها المعهودة ويثبتها ثم يعيدها.

قلنا: كلا الأمرين جائز عقلًا ولم يرد دليل سمعيّ يوجب القطع بأحد الأمرين.

وكرهما جائز وقوعه عقلًا.

مسألة: عذاب القبر ومسائلة منكر ونكير حق ثابت.

والدليل عليه أن العذاب والفتن في القبر ليس مما يستحيل عقلًا.

وورد به دليل السمع فلابد من إثباته.

قال الله تعالى في قصة فرعون: {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} ...

وهذا العذاب قيل الحشر لأن الله تعالى أخبر عما يكون يوم القيامة من حالهم: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} .

والدليل عليه أن الأخبار قد تواترت باستعاذة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عذاب القبر.

وروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مرّ بقبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبيرة أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة, وأمّا الآخر فكان لا يستنزه من البول.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه".

وروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما وضع سعد بن أبي وقاص في القبر تغيَّر وجهه فقال:"سبحان الله"فسئل عن ذلك فقال:"رأيت ضَمَّهُ ضمَّةً فتلفت منها أَضلاعه".

فإن قيل: نحن نشاهد الميت كما كان لم يتغير حتى لو كان على بطنه قدح من ماء لم يتغير عن حاله.

يقال لهم: إن مثل هذه الاستعاذات لا يُعَوَّل عليها.

وهو مثل استبعاد الكفرة إحياء العظام البالية وإعادة الخلق بعد إفنائهم والله تعالى قادر أن يربأ صورته على حاله، والماء على بطنه ويكون هو مُعّذَّبًا، كما أنَّا نشاهد الرجل به الوجع الشديد والألم العظيم وهو على صفته.

فإن قيل: فَمَنْ أكَلَتْه السباع أو أحْرِقَ وفرَّقَ رماده كيف يسئل وكيف يرد إليه الروح؟ فيقال له: ليس من شرط الحياة بنية مجتمعة ولا جثة كبيرة.

فإنّا نشاهد حيوانات صغيرة الجسم.

وإذا لم يكن كثر الجثة شرطًا فالله تعالى يجمع منها جزءًا يعلمه ويردّ إليه الروح ويتوجه عليه السؤال والعقاب لو أراد معاقبته، وليس ذلك بمستحيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت