فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 67

فإن قيل: ولِمَ قلتم أنّه يجوز اتصافه بالسمع والبصر؟ وبم أنكرتم على من يزعم استحالة اتصافه بالسمع والبصر وأضدادِهما كما يستحيل عليه الاتصاف بالبياض وبما يضاده من الألوان، ويستحيل وصفه بالحركة والسكون.

قلنا: الدليل عليه أنّا قد علمنا أن الحيّ في الشاهد يجوز أن يّصف بالسمع والبصر وأن الجُماد والميت لا يجوز أن يتصف بهما.

وإذا سبرنا المعاني لم يكن المصحّح للسمع والبصر في الشاهد إلا الحياة.

وقد ثبت الحياة في الغائب فوجب القول باتصافه بالسمع والبصر.

فإن قيل: إذًا ثَبَتُّم السمع والبصر وهما إدراكان ثم رأينا في الشاهد إدراكًا يتعلق بالطعوم وهو الذوق، والآخر يتعلق بالروائح وهو الشمّ، والآخر يتعلق باللين والخشونة والحرارة والبرودة، فهل يثبت للبارئ تعالى هذه الإدراكات؟

قلنا: نعم يثبت لله تعالى هذه الإدراكات لأن لكل واحد من هذه الإدراكات ضّدا وضده آفة.

فإذا لم يتصف به وجب وصفه بضده، لأن إنه لا يسمى شامًّا ولا ذائقًا ولا ماسًّا لأسباب، منها:

إنه يعتبر في أساميه وفي أسامي ورود الأذن.

والشرع ما ورد به.

والثاني أن الوصف بالشم والذوق واللمس يقتضي نوع اتصال بين الشَامّ والمشموم والذائق والمَذوق.

والحق تعالى يتقدّس عن الاتصال.

وأما السمع والبصر لا يقتضيان اتصالا.

والثالث أن هذه الصفات لا تنبئ عن حقيقة الإدراك لأنه يصح أن يقول القائل: شممت ولم يدرك رائحته، ولو كان إدراكًا لتناقض قوله.

وصار بمنزلة ما لو قال: أدركت الرائحة ولم أدرك.

فنطلق القول بوصف الإدراك ولا تثبت هذه الأوصاف.

والدليل عليه من الشرع قوله تعالى في مواضع كثيرة"السميع"و"البصير".

والدليل عليه أنه أنكر على عَبْدَة الأوثان وردّ عليهم صنيعهم بأنه لا سمع لمعبودهم ولا بصر.

وقال خبرا عن إبراهيم، عليه السلام: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} ؟ فثبت بذلك ما ذكرنا.

مسألة: البارئ تعالى متكلم.

وطريق إثبات كونه متكلمًا مثل طريق إثبات السمع والبصر إلا أنه لابدّ في إثبات ذلك من إثبات حقيقة.

وسنذكرها بعد ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت