فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 67

والدليل على بطلان قولهم أن قبول الشفاعة في العصاة ليس مما يحليه العقل.

فإن من عصى مالكه وخالفه عنه لا يُسْتَقْبَح في العقل أن يتشفع إليه ببعض المختصين به حتى يعفوا عنه.

وإذا كان جائزًا في العقل فالسنة المستقصية قد وردت به فوجب الإيمان به.

فإن حملوا على الشفاعة لِرَفْع الدرجات لم يصح، لأنه ورد في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إنه قال:"شفاعتي أهل الكبائر من أمتي"...

وفي خبر آخر [عنه صلّى] الله عليه، حيث قال:"تنام عيناي ولا ينام قلبي".

وفي حق غيره لا يتعاقب مثل ما يتعاقب في حقه ويقع فيه الغرّة بالغفلة والنوم، وفي حق الفسقة والجهال بالسك.

فيظهر بذلك التفاوت وتتحقق الزيادة بزيادة تجدّد التصديق المجدّد.

مسألة: التوبة في الّلغة هي الرجوع.

يقال: تاب إذا رجع.

فإذا أضيفت التوبة إلى الله تعالى كان المراد به رجوع نَعمائه إلى عباده.

وإذا أُضيفت إلى العباد كان المراد بها رجوعهم من الذلات والمعاصي إلى الندم عليها.

والتوبة في اصطلاح الناس الندم على المعصية.

وأما شرائط التوبة، فالمعاصي قسمان: قسم منها يتمحض حقًا لله تعالى لا يتصل بحق إلى مبين.

فأمّا ما هو حق الله تعالى فإن كان ذلك له ارتكاب محظور مثل الشرب والزنَّا وغيره فله شرطان: أحدهما الندم على ما كان منه.

وحقيقة الندم أن يتمنّا إن كان منه ليته لم يكن.

والشرط الثاني أن يعزم أن لا يعود إليه في المستقبل وإن كان بترك مأمور.

مثل الصلوة والصوم.

فله ثلاثة شرائط: الندم على التفريط وقضاء ما تركه والخروج منه والعزم على ترك العودة إليه.

فأمّا ما يتصل بحق العباد فله ثلاثة شرائط: الخروج عن حقه مثل رد المغصوب وغرامة ما أتِلفَ عليه من مال ونفس.

فإن لم يكن له بدل مثل القصد والأذيّة فيطلب رضاه ويطيب قلبه بما يقدر عليه والندم على ما حصل منه والعزم على تركه والعود إليه.

فإذا اجتمع نفذه الشرائط على ما ذكرنا تصح التوبة.

مسألة: التوبة واجبة على من عصى الله وخالف أمر الله تعالى.

والدليل عليه الآيات الواردة في كتاب الله تعالى في الأمر بالتوبة.

مثل قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} ....

وغير ذلك من الآيات.

والدليل عليه إجماع الأمّة على وجوب ترك الزلات والندم على ما حصل في الوجوب فثبت إنه واجب.

مسألة: قبول التوبة لا يجب على الله تعالى عقلًا وقالت المعتزلة: يحتم على الله تعالى قبول التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت