قلنا: هذا الكلام ساقط لأن المستحيل حصول ما لا يتناهى في الوجود وعندنا الموجود من نعيم أهل الجنة وعقوبة أهل النار معلوم الابتداء والانتهاء في كل وقت.
وأمّا الذي لا يتناهى ولا يحصى ما هو في مقدور الله تعالى من النعمة والعقوبة فالله تعالى يجدد كل وقت لأهل الجنة نعمةً ولأهل النار عقوبةً، ومقدوراته لا نهاية لها فيما يثبته غير متناهي لو يحصل في الوجود وأنتم أثبتم أعداد كلها حصلت في الوجود وانتهت.
وانتهاء أعداد موجودة لا نهاية لها مستحيل.
ونستشهد على هذه الجملة بصورة يتضح الغرض بها، وذلك أن يقول الرجل لولده لا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك قبله درهمًا، فلا يتصور بحكم الشرط أن يعطيه لا دينارًا ولا درهمًا.
لأن الولد متى طالبه بالدرهم فيقول: حتى أعطيك دينارًا فهنا نظير ما جوّزوه.
فإن النبات عن الحبَّ والحبَّ عن النبات، ولا حبَّ إلا وقبله نبات ولا نبات إلا وقبله حبّ، وقد حصلّ الجميع وانقضى.
ومثال ما جوزنا أن يقول الرجل لا أعطيك درهمًا إلا [و] أعطيك بعده دينارًا، ولا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك بعده ردهمًا فيعطيه من الدراهم والدنانير ما يريد، ولا يمتنع العطاء بحكم الشرط.
فظهر فساد قولهم ويتضح ذلك بآيات من كتب الله، فإن الله قد قال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} .
وقوله تعالى {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} .
والدليل على أن للعالم صانعًا أنّه لا موجود في وقت من الأوقات إلّا ومن الجائز حدوثه وظهوره قبل ذلك الوقت، ومن الجائز حدوثه وظهوره بعد ذلك الوقت بزمان.
فإذا أختص في ذلك الوقت بالجود بدلًا عن استمرار العدم اقتضى مخصَّصًا اختار الوجود في تلك الحالة.
فإذا ثبت أنه يقتضي مخصَّصًا فلا يجوز أن يكون المقتضى علةً أوجبت وجوده في تلك الحالة، كما توجب الحركة كون المحل متحركًا والسواد كون المحل أسود، لأن العلة توجب الحكم مقرونًا بها لا يتقدمها ولا يتأخر عنها.
وإذا كان حكم العلة يقارن العلى فالعلة لا تخلو: إمّا أن تكون قديمة أو محدثة.
فإن كانت قديمة أوجبت قدم العالم، وقد دللنا على حدوثه.
وإن كانت العلة الحادثة أيضًا تفتقر إلى مخصَّص ومقتضى.
ثم الكلام في علة العلة مثل ذلك.
والقول بهذا يؤدّى إلى التسلسل.
ولا يجوز أن يكون المخصَّص والمقتضى طبيعة لأن قول نم يثبت الطبيعة يظهر تأثير الطبيعة لا يتأخر عن الطبيعة.
فالطبيعة إن كانت قديمة أوجبت قِدَم العلم وإن كانت حادثة