وذهبت جماعة من الملحدة إلى جواز خلق الجوهر عن جميع الأعراض.
وجوزّ الكعبي من المعتزلة تعرّى الجواهر عن الأكوان وهو الافتراق والاجتماع والحركة والسكون.
ولم يجز تعريّها ممّا سواه من الأعراض.
وأمّا معتزلة البصرة جوّزوا تعريّها من الأكوان وسائر الأعراض غير الألوان لأن جملة المعتزلة وافقونا على أن الجوهر بعدما اتصف بالأعراض يستحيل خلوّه عنها وإنما جوّزوا ذلك من ابتداء الحدوث.
فأمّا إذا أردنا الكلام مع الملحدة نفرض في الأكوان فنقول: الجواهر القابلة للاجتماع والافتراق غير مجتمعة ولا متباينة، ولا يعقل.
وأيضًا فإنهم جوّزوا الاجتماع والافتراق فيما لا يزال، ولا يعقل اجتماع موجودين إلا عن افتراق سابق، ولا افتراق موجودين إلا عن اجتماع سابق.
وأما الرد على المعتزلة فنستدل على الكعبي بالألوان وساير الأعراض فنقول: لو جاز تعرىّ الجواهر عن الألوان لجاز عن الأكوان.
ولما استحال ذلك لاستحال هذا.
ونستدل على معتزلة البصرة بالأكوان فنقول: لمّا جاز تعرى الجواهر عن الأكوان لجاز عن الألوان.
ونستدل على الفريقين بمناقضتهم حيث قالوا بعد قبوله الأعراض: لا يجوز خلوّه عن الأعراض.
فنقول: كلّ عرض اتّصف به المحل لا ينتفي إلا عند طريان السكون، والضد إنما يطرأ على زعمهم بعد انتفاء العرض الموجود الذي كان في المحل، ولما استحال ذلك في الابتداء فكذلك في الانتهاء.
فإذا تقرّرت هذه ألأصول ثبت حدوث العالم لأن الأعراض حادثة والجواهر لا تخلو من الأعراض.
وإذا لم يتصوّر خلوّ من الأعراض لم تسبق الأعراض، وما لا يسبق الحادث فهو حادث.
الطريقة الثانية تدل على استحالة حوادث لا أوّل لها فنقول للدهرية: من أصلكم لا نبات إلا من حبّ ولا حبّ إلا من نبات، وقد وجُد من ذلك أعداد لا نهاية لها وانقَضتَ وظهر لها آخر وهو ما نشاهده في الوقت.
وحوادث لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها كلها حصلت في الوجود، لا يعقل انقضاؤها وتناهيها لأن ما لا نهاية لها كيف يقتضي وينتفي؟ فلمّا ظهر آخر الحوادث والأعداد ثبت إنه كان له ابتداء حتى ظهر له انتهاء.
فإن قيل: أليس من قولكم إن نعيم أهل الجنة لا آخر له وله ابتداء وعقوبة أهل النار لا آخر لها ولها ابتداء؟ فإذا جاز حصول حوادث لا آخر لها ولها ابتداء.
فِلمَ لا يجوز حصول حوادث لا أول لها ولا آخر؟