الله استقرار الجبل، فدلّ على جواز الرؤية.
الآخر: إن البارئ تعالى قال: {لَنْ تَرَانِي} ولم يقل لا يجوز عليه الرؤية.
فإن قيل: لو كان البارئ مرئيًا لرأيناه في وقتنا لأن الموانع مرتفعة من الحُجُب الكثيفة، إذ البارئ تعالى ليس في مكان حتى لا يكون بيننا وبينه حجاب والقرب المفرط والبعد المفرط.
ولما لم نره دلّ على استحالة الرؤية.
قلنا: ولِمَ حَضّرتم الموانع بما ذكرتم وبم أنكرتم على من يقول: إنما لم نره لمعنى قائم بالحاسة مضاد لرؤية البارئ تعالى وهو أنّه لم يخلق لنا الإدراك.
يدلّ عليه أن جبريل، عليه السلام، كان يحضر رسول الله، صلى الله عليه، وهو يراه والباقون ما كانوا يرونه مع جواز الرؤية.
والمريض عند الموت يرى الملائكة وغيره لا يراه مع جواز الرؤية.
فإن قيل: هذا الذي ذكرتم من امتناع الرؤية لعدم خلوّ الإدراك مُحال.
لأنه يؤدي إلى أن يكون بحضرة الإنسان أشخاص وأطلال وهو لا يراها مع سلامة البصر وعدم الحجب والبعد المفرط والقرب المفرط، لِعَدَم الإدراك.
ومن حقَّ ذلك نسب إلى الجهل.
قلنا: امتناع ذلك يجرى العادة وإلا فذلك يجوز عقلًا.
ونظير ذلك من المقدورات أن يقلب الله تعالى جبال الدنيا ذهبًا ومن قدّر وجوده اعتمادا على المقدور عُدّ جاهلًا.
ومن الجائز أن يخلق الله تعالى بشرًا نِسَوِيًا من غير وَالدين، كما خلق آدم.
ثم من رأى إنسانًا وشكّ في كونه مولودًا عن أبوين عدّ جاهلًا: وكان ذلك راجع إلى استمرار العادة فكذا ما ذكروا.
وأنكرت البراهمة ذلك وقالوا من المحال أن يبعث البارئ تعالى بشرًا رسولًا.
والمسألة تنبني على تحسين العقل وتقبيحه.
وقد قدمنا ذكرها.
والدليل على جواز بعث الأنبياء المعجزات الظاهرة على أيدي الأنبياء.
وسنذكر شرائط المعجزة وكونها دلالة.
شبههم.
قالوا: لو قّدرنا ورود نبيّ من الله تعالى لم يخل ما جابه الرسول: إمّا أن يستدرك بالعقل أو لا يستدرك.
فإن كان مما يستدرك بالعقل فلا فائدة في بعث الرسل وإن كان مما لا يستدرك بالعقل فلا يتلقى بالقبول وإنما يقبل عليه العقل، فلم يكن فيه فائدة.
والحكيم لا يفعل ما لا فائدة فيه.
فيقال له: ولِمَ لا يجوز أن يكون ما جابه الرسول مما يستدرك بالعقل ويكون بعث الرسول تأكيدًا له ومثله غير ممتنع؟ كما لا يستحيل قيام أدلّة عقلية على مدلول واحد وإن كان في الواحد كفاية ويكون باقي الأدلة مؤكدًا.