ومن الدليل على جواز الرؤية: أن المصحَّح للرؤية الوجود، والبارئ تعالى موجود.
والدليل أن المصحَّح للرؤية الوجود، أنّا نرى المختلفات والمتضادات مثل السواد والبياض ولو لم يكن المصحَّح الوجود لما صحّت رؤية المتضادات لأن الموجودات ما اشتركت إلا في الوجود.
فإن قيل: لو كان المصحح للرؤية الوجود حتى يرى جميع الموجودات لكان المصحَّح للسمع والشم والذوق الوجود حتى تُسمع جميع الموجودات وتشم جميع الموجودات وتذاق جميعها.
وقد علمنا استحالة القول بأن البارئ مسموع أو مشموم أو مذوق.
فالجواب: أمَّا إدراك السمع فالمصحح له الوجود ويجوز أن يخلق الله تعالى لنا سمعًا نُدرك به الجواهر والألوان وسائر الموجودات.
وأمّا الشم والذوق فهو عبارة عن نوع اتصالٍ بمحل.
ومن الموجودات ما يستحيل عليه الاتصال فلم نطلق القول بجواز تعلقه بكل موجودٍ.
فالدليل على جواز الرؤية من جهة السمع قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} والنظر المقرون بالوجه الموصول بحرف"إلى"لا يكون إلا بمعنى الرؤية.
وقال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} .
فلما اتَّصف قوم بالحجاب دلّ على أتَّصاَفِ قوم بالرؤية.
وقال الله تعالى: {يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} ...
واللقاء مقرون بالسلام لا يكون إلا لمعنى الرؤية.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنكم سترون ربكم الأبْصَارُ"فدلّ أنّه لا يُرى.
فالجواب أن نفى الإدراك لا يقتضي نفي الرؤية.
قال الله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} ...
فنفى أن تكون الشمس مدركة للقمر ويجوز أن تُرى الشمس والقمر.
جواب آخر: أن نقول بظاهر الآية لأن الإدراك ينبئ عن الإحاطة والوقوف على الكيفية، والبارئ تعالى يتقدس عن التحديد والكيفية فلا تحصل الإحاطة.
فإن استدلوا بقوله تعالى في قصة موسى: {لَنْ تَرَانِي} فدلّ أن الرؤية محال.
فالجواب: أن الآية حجّتنا من وجوه.
أحدهما: أن موسى، عليه السلام، سأل الرؤية ومثل موسى لا يجوز أن يسأل المستحيل.
والثاني: أن الله تعالى علق رؤية موسى بأمر غير مستحيل وهو استقرار الجبل.
فقال تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ...
في مقدور