فالدليل على أن الرؤية لا تقتضي بنية أن البارئ يرى الموجودات ويستحيل عليه البنية.
وأيضًا فإن الإدراك الواحد لا يقوم إلا بجوهر واحد، والجواهر المحيطة به لا تؤثر في محل الإدراك.
لأن كل جوهر مختصّ بحيَّزه لا يؤثر في جوهر آخر.
وإذا ثبت أن الأعراض إذا قامت بمحل مثل السواد والبياض لا تؤثر في محل آخر.
وإذا ثبت أن الجواهر المجتمعة [مع محل الإدراك] غير مؤثرة فيه، كان وجودها كعدمها.
والدليل على إنه لا تقتضي اتصال الشعاع أن البارئ تعالى يرى الموجودات والاتصال في وصفه محال.
والدليل عليه أنّا نرى الأعراض ولا يجوز تقدير الاتصال بالعرض.
فإن قالوا: إنّا لا نرى العرض لأن الشعاع تتصل بما قام العرض به وهو الجوهر.
قلنا يلزمكم أن تُجوَّزوا رؤية الطعوم والروائح أنها قائمة بالمحل والشعاع قد اتصلت بالمحل.
وعندهم لا يجوز رؤية الطعوم والروائح.
لأن الجوهر الواحد على قولهم لا يجوز تعلق الرؤية [به] والاتصال بالجوهر الواحد صحيح.
فإن قالوا: وجدنا أن الشيء يُرى عند اتصال الشعاع البصرية ولا يرى عند عدمها فدلّ أن اتصال الشعاع شرط.
فالجواب أن يقال لهم: لِمَ قلتم أن ثبوت الرؤية في حالة وانتفاؤها في حالة [أخرى] لاتصال الشعاع وعدمها؟ وبم أنكرتم على من يقول أن ذلك راجع إلى استمرار العادة كالشبع عند أكل الخنزير والحرارة عند القرب من النار وغيره؟
وأما الدليل على أن الرؤية ليس في شرطها المقابلة أن البارئ تعالى يرى المخلوقات والمقابلة محال.
وأيضًا فإن الإنسان إذا نظر في المرآة أو في جسم صقيل يرى نفسه ولا يجوز أن يكون الإنسان في مقابلة نفسه، وإذا نظر في ما تحت سقف يرى سقف والسقف ليس في مقابلة محل الرؤية.
والدليل: عليه أنّا نرى إذا نظرنا أجسامًا كثيرة وما يقابل حاسّة العين شيء قليل والمرئي أضعاف أضعافه فعلم أن الرؤية ليس من شرطها المقابلة.
وإذا ثبت هذه المقدمات ثبت جواز الرؤية.