وأنكرت المعتزلة كونها مخلوقتين في الحال.
وقالوا أن يخلقهما يوم القيامة.
وما ورد في قصة آدم وكان في بستان من بساتين الدنيا.
والدليل عليه ما ذكرنا أن كونهما مخلوقتين ليس بمستحيل في العقل.
وقد ورد السمع بذلك.
قال الله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} ...
وقال تعالى: {عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} ...
والدليل عليه قصة آدم وإدخاله الجنَّة وإخراجه منها وما قالوا إنه كان في بستان من بساتين الدنيا فخطأ، لأن الله تعالى وعده الردّ إليها ولا يكون ردّه إلى بساتين الدنيا.
فإن قالوا: أي فائدة في خلقها؟ قيل: وقت الثواب والعقاب.
قلنا: أفعال الله تعالى لا تحمل على الأعراض بل هو الفعّال لما يشاء من غير حاجة وغرض.
مسألة: ثواب المطيعين وعقاب العصاة ليس بحتم على الله تعالى أن يثيب المطيعين ويعذَِّب العصاة ووَعْده حق ووعيده حق.
وقالت المعتزلة يجب على الله تعالى أن يثيب المطيعين حتمًا ويجب عليه معاقبة من عصاه ومن مات من غير توبة.
والدليل على بطلان قولهم أن السيد إذا قام بمؤن عبده وكفايته وأعطاه زيادة على ما يحتاج إليه وأنعم عليه، ولم يكلف العبدَ بذل جهده في الخدمة أقصى ما يقدر عليه بل تركه مودّعًا مَرفَّهاًَ في عامة أوقاته يشتغل بلذَّاته وشهواته، وأمره بالخدمة في بعض الأوقات على وجه ليس فيه مشقة عظيمة.
فإن العبد لا يستحق بإزاء تلك الخدمة على خدمة سيده شيئًا.
فإذا كان سبيل من يخدم مثله فكيف سبيل ن يعبد الله وجميع عبادته لو قوبلت بأدنى نعمة من نعم الله عليه لما كان له في مقابلة تلك النعمة خطر؟ وأيضًا فإن عبادة العباد شكر على النعمة وشكر النعمة واجب خصوصًا عندهم.
فإنهم أوجبوه عقلًا وليس من حكم العقل استيجاب عِوَض على ما هو واجب.
إذ لو استحق العبد بشكره عِوَضًا لاستحق الرب عليه شكرًا آخرًا بإزاء الثواب.
وذلك يؤدي إلى ما لا يتناهى.
ومن الدليل على فساد قولهم أنهم قالوا يجب على الله تعالى أن يثيب المطيعين ثوابًا مؤبدًا ويعاقب العصاة عقابًا مؤبدًا وطاعات العبد ومعاصيه متناهية ونحن نعلم أن من جنى جنابة وقدّر له دوام البقاء لم يحسن معاقبته على الجناية أبدًا.
ولأنهم قالوا الثواب يتأخر إلى يوم القيامة وليس من حكم العقل تأخير المستحق عن مستحقه وحبسه عنه مع القدرة.
فهلا أوجبوا الثواب في الوقت حتى يزداد العبد بذلك رغبة في الطاعة.
فظهر فساد قولهم.