لأن الكلام في جوهر موجود، والموجود لا يَفْعَل بل يستغني بوجوده عن الفاعل فثبت أنه معنى زائد عليه، قائم به وهو ما ذكرناه في الأعراض.
الأصل الثاني يدلّ على أن ما أثبتناه من الأعراض حادثة.
والدليل عليه أن الجوهر الساكن إذا تحرك فقد طرأت عليه الحركة ودلّ طريانها على انتفاء السكون، وانتفاء السكون دليل حدوثه لأن القديم يستحيل عدمه.
فإن قيل: وبما أنكرتم على من يقول أن الحركة ما حدثت والسكون ما انتفى ولكن الحركة كانت كامنة وظهرت، والسكون كان ظاهرًا وكمن وتستّر؟
قلنا: لو كان كذلك لاجتمع الحركة والسكون في المحلّ، وقد علمنا استحالة كون الشيء الواحد متحركاًَ ساكنًا فكذلك يستحيل اجتماع الحركة والسكون.
فإن قيل: ولم قلتم إن القديم يستحيل عدمه؟
قلنا: الدليل على استحالة عدمه أنّه لو جاز عدمه لكن لا يخلو: إمّا أن يقال عدمه حالةَ ما يعدم واجبًا حتى يستحيل عليه البقاء في تلك الحالة من الجائزات، ويجوز أن يستمرّ وجوده في تلك الحالة واجبًا حتى لا يجوز استمرار الوجود، لأنّا نجوّز بقاء الحركة في المتحرَّك حالة ما سكن.
ولو كان عدم الحركة واجبًا لاستحال تقدير بقائها في تلك الحالة.
وإن كان عدمه جائزًا واستمرار الوجود جائزًا فمحال، لأنه إذا جاز بقاؤه وجاز عدمه فلا يختصّ بأحد الجائزين إلا بمخصص يقصد إلى تقديم أحد الجائزين على الآخر.
وهم أنكروا الصانع والمخصَّص.
فإن قيل: ولِمَ لا يجوز أن يكون عدمه بضدٍ يطرأ عليه فيبُطله؟ قلنا: هذا محال لأن الطارئ يضادّ القديم والقديم يضادّه أيضًا.
فِلمَ كان إبطال القديم بضدّ الطارئ أولى من أن يمتنع ثبوت الطارئ بمضادة القديم له؟
فإن قيل: ولِمَ لا يجوز أن تكون الحركة هي قد انتقلت من جوهر آخر إليه؟ قلنا: الحركة هو الانتقال فلو افتقر الانتقال إلى انتقال آخر لافتقر ذلك الانتقال إلى انتقال آخر، ثم لا يزال كذلك فيتسلسل، وذلك محال.
الأصل الثالث: إن عند أهل الحق يستحيل خلوّ الجوهر عن الأعراض وبيانه وهو أنّه لا يجوز أن يكون جوهرٌ لا يكون له لون أصلًا ولا يكون له طعم أصلًا ولا يكون ساكنًا ولا متحركًا وكذلك لا يجوز أن يكون جواهر لا متّصلة مجتمعة ولا متباينة متفرّقة.