وأمّا الدليل فهو المرشد إلى المقصود وينقسم ذلك إلى عقلي وسمعيّ.
فالعقلي مثل دلالة الصنع على الصانع.
والسمعي هو الخبر الصادق: مثل كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
أمّا النظر فهو فكر القلب والتأمُّل في حق المنظور لطلب حقيقة علم أو غلبة ظنٍ.
والنظر الصحيح يحصل به العلم.
وأنكرت طائفة من الدهرية صحة النظر وقالوا: لا معلوم إلا من جهة الحواسُ وتطرقوا بذلك إلى نفى الصانع.
والدليل على بطلان قولهم أن نقول لهم: أعرفتم فساد النظر أو تشكون فيه؟
فإن قالوا: نقطع ببطلانه فقد أبطلوا قولهم:"لا معلوم إلا من جهة الحواسّ".
لأن فساد النظر لا يعرف حسًّا.
فإن قالوا:"نشك في كون النظر طريقًا إلى العلم"دعوناهم إلى النظر في الدليل.
فإن نظروا في الدليل واعترفوا حصول العلم فقد أقّروا ببطلان مذهبهم.
وإن أنكروا حصول العلم فقد أقطعوا بأن النظر ليس بطريق إلى العلم، وفيه إثبات علم حاصل لا بالحواسّ.
ومن الدليل على بطلان قولهم أن نقول لهم: أعلمتم فساد النظر ضرورة أم نظرا؟ فإن قالوا: ضرورةً، عكسنا عليهم وقلنا: نحن علمنا بطرن مذهبكم ضرورةً إذ ليس أحد الخصمين بدعوى ضرورة ينفرد بها أولى من الآخر.
وإن قالوا عرفنا بطلانه نظرًا، فقد أقرّوا بكون النظر طريقًا إلى العلم.
فإن قيل يلزمكم مثل ذلك فإنكم جعلتم النظر طريقًا إلى العلم، فعرفتم ذلك ضرورةً أو نظرًا؟ فإن قلتم عرفناه ضرورةً ادعينا نحن بطلانه ضرورة.
وإن قلتم عرفناه نظرًا فكيف يعرف الشيء بنفسه؟ قلنا: عين سؤالكم يلزمكم لأنه نوع من النظر.
فإن لم يكن مفيدًا فهو لغو وإن كان مفيدًا للعلم ببطلان النظر ففيه إقرار بأن النظر يفيد العلم.
ثم جوابنا عنه أنّا نصحح النظر بنوع من النظر داخل في جملة النظر نصحح نفسه وغيره كالعلم به المعلومات.
ويعلم بالعلم نفس العلم.
وفي كتاب الله تعالى آيات كثيرة تدل على أن النظر طريق العلم مثل قوله تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ} ؟ - أو لم يتفكروا.
وقوله تعالى {فَاعْتَبِرُوا....} وذلك أكثَر من أن يُحصى.