ففعل كل ممكن أو تركه.
(ش) لما فرغ من ذكر ما يجب في حقه تعالى وما يستحيل ذكر هنا القسم الثالث وهو ما يجوز في حقه تعالى، فذكر أن الجائز في حقه تعالى هو فعل كل ممكن أو تركة، فيدخل في ذلك الثواب والعقاب وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والصلاح والأصلح للخلق ولا يجب من ذلك شيء على الله تعالى
[حاشية الدسوقي]
والحاصل: أن الجائز بالنسبة إليه تعالى هو فعل كل ما قضى العقل بإمكانه، وأما الجائز بالنسبة لغيره فيطلق على ما لم يؤمر بفعله ولا بتركه، وعلى ما ليس بمنهي عنه. (قوله: ففعل كل ممكن أو تركه) اعترض بأن الممكن مرادف للجائز في اصطلاح المتكلمين فكأنه قال وأما الجائز في حقه تعالى ففعل كل جائز أو تركه فقد أخذ الجائز في تعريفه، وأخذ المعرف في التعريف موجب للدور، وأجيب بأنه ليس المراد تعريف الجائز حتى يرد ما ذكر، بل المقصود هنا ضبط الجائز بما يعرف به كل فرد من أفراده لا بيان حقيقته؛ لأن بيان حقيقته قد تقدمت، فبين المؤلف أن الجائز الذي عرفنا حقيقته أولًا هو فعل كل ممكن أو تركه، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف أي وأما الجائز فضابطه فعل كل ممكن أو تركه ولا يحصر بعدد كما انحصر غيره من الأقسام، سلمنا أنه تعريف فيقال المراد بالممكن ذاته أي الجواهر والأعراض بقطع النظر عن الوصف العنواني، أي وصفها بالإمكان كما قالوا في تعريف العلم إنه معرفة المعلوم على ما هو عليه أي معرفة الذات بقطع النظر عن وصفها بالمعلومية.
(بقي شيء آخر) وهو أن ما اقتضاه عموم كلام المصنف من أن الجائز في حقه تعالى فعل كل ممكن واضح على طريقته من أن الصفات واجبة الوجود لذاتها، وأما على طريقة الفخر والسعد من أنها ممكنة لذاتها واجبة لما ليس عينها ولا غيرها وهو الذات العلية كما مر فالإطلاق غير ظاهر، لأن الصفات على هذا ممكنة، ومع هذا فهي مستندة إليه على طريق الإيجاب لا الجواز.
(قوله: أو تركه) فيه أن الترك فعل لأنه الكف عن الشيء، فلا حاجة لذكره. وأجيب بأن الترك وإن كان فعلًا عند الأصوليين لكن المصنف جمع بينهما نظرًا لما هو المتعارف من مقابلة الفعل بالترك، وإطلاق الترك على عدم الفعل.
(قوله: هو فعل كل ممكن) أي فعل كل ما قضى العقل بإمكانه أي باستواء طرفيه الوجود والعدم سواء كان خيرا أو شرا كان فعلا اختياريا للعبد أم لا. (قوله: فيدخل في ذلك) أي في الممكن أو في ضابط الجائز المذكور. (قوله: الثواب والعقاب) أي إثابة الطائع وعقاب العاصي، وخص هذه بالذكر دون غيرها للخلاف الذي فيها بين أهل السنة والمعتزلة، فالمعتزلة يقولون بوجوب ذلك بناء منهم على أصلهم الفاسد من ان الحسن ما حسنه العقل، والقبيح ما قبحه العقل، والعقل يستحسن إثابة الطائع وعقاب العاصي، وكل ما استحسنه العقل فهو عندهم واجب يُعَدُّ تركه سَفَهًَا موجبًا للوم. ورد عليهم بما هو مذكور في المطولات، وتقدم بعضه ومما يدحل في ضابط الجائز المذكور أيضا خلق الله الرؤية لنا بالنسبة لذاته العلية خلافًا للمعتزلة، حيث حكموا باستحالتها بناء على أصلهم الفاسد من أن الرؤية إنما تكون بانبعاث أشعة من العين تتصل بالمرئي، وذلك يستلزم أن يكون جسمًا، والباري تعالى ليس بجسم فلا يرى عندهم. ويرد ذلك بمنع ما بنوا عليه الاستحالة، وحاصله أنا لا نسلم أن الرؤية إنما تكون بانبعاث أشعة بل الرؤية معنى يخلقه الله في جزء من العين. (قوله: وبعث الأنبياء) أي خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوبه على الله تعالى لاستحسان العقل له، وذهبت البراهمة إلى استحاله بعثة الرسل وهم قوم كفار، والحق ما عليه أهل السنة من أن بعثة الرسل جائزة على الله تعالى.
(قوله: والصلاح والاصلح) الصلاح ما قابله فساد، والأصلح ما قابله صلاح، إلا أنه دونه، فالاول كتغذية زيد بدلًا عن ضربه، والثاني كتغذيته لحمًا بدلا عن إطعامه عدسًا، فرزق المولى لنا بدلا عن تعذيبنا بقطع رزقنا جائز عليه لا واجب، وكذلك رزقه زيدًا ألف دينارٍ عوضا عن رزقه له دينارا واحدا مثلًا جائزٌ عليه لا واجب، خلافا للمعتزلة القائلين أنه يجب عليه تعالى أن يفعل بكل عبد من عباده ما هو صلاح له وما هو أصلح به أي ما هو صلاح بالنظر لمقابله الفاسد، وما هو أصلح بالنظر لمقابله الذي هو صلاح، فلا تنافي بين وجوبهما معًا، وبهذا يعلم رد قول بعضهم:"الواو في قوله والأصلح بمعنى أو"، وهو تفنن في العبارة، لأن بعض المعتزلة يعبر بوجوب الصلاح وبعضهم بوجوب الأصلح. (قوله: لا يجب من ذلك شيء على الله) أي بالنظر لذات الله فلا ينافي وجوبه لوعده