ما تتعلق به انكشافا لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه، فمعنى قولنا المتعلق بجميع الواجبات إلى آخره أن جميع هذه الأمور منكشفة لعلمه تعالى ومتضحة له تعالى أزلًا وأبدًا بلا تأمل ولا استدلال اتضاحًا لا يمكن أن يكون في نفس الأمر على خلاف ما علمه عز وجل.
(ص) والحياة وهي لا تتعلق بشيء.
(ش) الحياة صفة تصحح لمن قامت به أن يتصف بالإدراك، ومعنى كونها لا تتعلق بشيء أنها
[حاشية الدسوقي]
(قوله: ما تتعلق به) أي وهو جميع الواجبات والجائزات والمستحيلات بالنسبة للعلم القديم، والبعض من كل بالنسبة للعلم الحادث. فإن قلت لِمَ قال ينكشف بها ما تتعلق به ولم يبين المتعلق كما بينه في القدرة والإرادة وحينئذ يكون في التعريف خفاء. قلت قال ذلك ليتناول تعريفه العلم القديم والحادث ولا ضرر في اجتماعهما في التعريف لأنه رسم، وأما قولك وحينئذ يكون في التعريف خفاء فجوابه أن الخفاء القادح في التعريف هو الخفاء بالنسبة للمعرف وليس هذا منه لحصول المقصود الذي هو تمييز صفة العلم عما عداها من سائر الصفات إذ هو رسم كما تقدم، وخفاء المتعلق لا يضر.
(قوله: فمعنى قولنا الخ) هذا تفريع على تعريف العلم بما ذكر لدفع توهم أنه لا يلزم من مجرد التعلق إيضاح جميع تلك الأمور. (قوله: لعلمه تعالى) اللام إما للتعليل وفي الكلام حذف أي منكشفة لذاته لأجل علمه، أو للتعدية ومعنى انكشافها للعلم كونها من متعلقاته. (قوله: بلا تأمل ولا استدلال) أي وحينئذ فليس علم المولى نظريا ولا استدلاليًا ولا اكتسابيًا، والثلاثة مترادفة ذلك لأنه يلزم عليها سبق الجهل، ويطلق الاكتسابي أيضا على ما حصل بكسب العبد أعم من أن يكون حصل بنظر أو بحركة الجوارح من لمس وذوق وشم وإبصار، وكما لا يقال لعلم المولى إنه نظري لا يقال له أيضا إنه بديهي، لأنه من بَدَهَ الأمْرُ النفسَ إذا أتاها بغتة وهو حادث يسبقه الجهلُ، ولا ضروري وهو ظاهر إن فسر بما قارنه ضرورة وحاجة كعلمك بالجوع والعَطَش الحاصلين لك، أما إن فسر بما لا يتوقف على دليل فهو صحيح في حقه تعالى إلا أن اللفظ لا يطلق لئلا يوهم المعنى الأول.
(قوله: لا يمكن أن تكون) أي تكون تلك الأمور المنكشفة على أن تكون بالتاء الفوقية، أو العلم أو إلايضاح على أنه بالياء التحتية. (قوله: في نفس الأمر) قيل هو علم الله، وقيل اللوح المحفوظ، وقيل نفس الأمر، نفس الشيء، فالأمر هو الشيء ومعنى كون الشيء موجودًا في نفس الأمر أنه موجود في حد ذاته أي ليس وجوده وتحققه وثبوته متعلقا بفرض فارض ولا اعتبار معتبر.
(قوله: وهي لا تتعلق بشيء) اعترض بأن الشيء يختص بالموجود عند أهل هذا الفن، وحينئذ فالتعبير به يوهم أن الحياة تتعلق بغير الموجود وهو المعدوم، مع أن هذا باطل بالاستقراء، لأنهم استقروا كمالاته تعالى فلم يجدوا منها ما يتعلق بالمعدوم دون الموجود، فكان الأولى أن يقول وهي لا تتعلق أصلا أو يبدل شيئًا بأمر، فيقول وهي لا تتعلق بأمرٍ، ولفظ أمر يفيد التعميم، وقد أجيب عنه بأن المراد بالشيء مدلوله اللغوي وهو المفهوم؛ فكأنه قال لا تتعلق بمفهوم، وهو يعم الموجود والمعدوم. (قوله: الحياة صفة الخ) أي الحياة مطلقا سواء كانت قديمة أو حادثة فهو رسم شامل لهما، فصفة جِنْسٌ، وتصحح وما بعده فصل مخرج لغيره من الصفات. (قوله: تصحح) أي تجوز فهي شرط عقلي يلزم من عدمها عدم الإدراك ولا يلزم من وجودها وجود الإدراك ولا عدمه، والتجويز عدم الاستحالة أي إنه عند وجود الحياة لا يستحيل الاتصاف بالإدراك، فالاتصاف به عند وجودها ممكن بالإمكان العام الشامل للواجب والمستوي الطرفين، فيجعل الاتصاف بالإدراك عند وجود الحياة؛ بمعنى المستوي بالنسبة إلينا؛ وبمعنى الواجب في حق القديم.
والحاصل أن تصحح الواقعة في التعريف معناه بالنسبة للقديم توجب له تعالى ان يتصف بالإدراك أزلًا وأبدًا لأن كل ما صح في حقه تعالى فهو واجب، وأما بالنسبة للحادث فمعناه يجوز أن يتصف بالإدراك كما إذا كنا في حالة الصحو وأما في حالة النوم ونحوه فيفقد الإدراك؛ وإن كانت الحياة موجودة.
(قوله: لمن قامت به) هذا تحقيق لمذهب أهل السنة من أن الصفة إنما توجب حكمها لمن قامت به لا لإخراج صفة لم تكن كذلك. (قوله: أن يتصف بالإدراك) إنما قال أن يتصف بالإدراك، ولم يقل: أنْ يُدرك لأن الذي من لوازم الحياة صحة الإدراك لا الإدراك نفسه، وشمل قوله الإدراك العلم والسمع والبصر وإدراك نحو اللمس والشم والذوق على القول به، فإن قلت مقتضى التعريف أن الحياة ليست شرطا في غير الإدراك من