واذا استحال الحدوث على مولانا سبحانه وجب له القدم وهو المطلوب.
(ص) وأما برهان وجوب البقاء له تعالى فلأنه لو أمكن أن يلحقه العدم لانتفي عنه القدم لكون وجوده حينئذ يصير جائزًا لا واجبًا، والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا كيف وقد سبق قريبا وجوب قدمه تعالى وبقائه.
(ش) لا شك أن وجوب القدم مستلزم لوجوب البقاء له، فلما قام البرهان القاطع على وجوب قدمه وجب بقاؤه تبارك وتعالى
[حاشية الدسوقي]
أن تلك الأحكام أما أن يكون لها أول، أوْ لا، فإن كان لها أول بحيث انتهت الأحكام إلى واحد لا يصح الحكم بعده لزم أن ما يتناهى لا يتناهى بزيادة واحد، وإن لم يكن للأحكام أول لزم أن تكون الأحكام مسبوقة الجنس وهي أزلية بحوادث يحكم بفراغها وهي أيضا أزلية الجنس، والسبقية تنافي الأزلية، فلزم أن ما لا يتناهى ينقضي، فدل انقضاؤها على تناهيها وهو المطلوب.
(قوله: وإذا استحال الحدوث على مولانا وجب له القدم) أي لأنه إذا بطل اللازم وهو الحدوث بطل ملزومه وهو لم يكن قديمًا، وإذا بطل لم يكن قديمًا؛ ثبت القدم وهو المطلوب، وبضميمة أن لا واسطة بين القدم والحدوث يثبت وجوب القدم، فصح كون دليله أنتج وجوب القدم وإن كان ظاهره إنه إنما أنتج القدم كذا وجهوه، وفيه أن نفي الواسطة لا يقتضي وجوب القدم بل يقتضى القدم؛ نعم استحالة الحدوث تُعَيِّنُ وجوبَ القدم لا مطلق قدم؛ وإلا كان الحدوث غير مستحيل.
(قوله: فلأنه لو أمكن أي يلحقه العدم لانتفي عنه القدم) هذا البرهان إشارة إلى قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة مذكورة، واستثنائية طوى ذكرها استثنى فيها نقيض التالي، ينتج نقيض المقدم، والأصل: لكن لا ينتفي عنه القدم فلا يمكن أن يلحقه العدم فوجب بقاؤه. (وقوله: لكون وجوده حينئذ) أي: حين إمكان لحوق العدم له، وهذا بيان للملازمة التي بين المقدم والتالي في الشرطية، وإشارة إلى أن اللزوم ليس بينا لأنه بواسطتين هما كون الوجود حين إمكان لحوق العدم له يكون جائزًا، وكون الجائز لا يكون إلا حادثا، (وقوله: كيف وقد سبق الخ) أي كيف يصح انتفاء القدم أي لا يصح لأنه قد سبق الخ، ففي الكلام حذف، والواو للتعليل، وهذا قائم مقام الاستثنائية المطوية، والمقصود من الاستفهام إنكار نفي القدم عنه، فكأنه قال لكن لا يصح انتفاؤه عنه لأنه سبق قريبا وجوب قدمه.
(قوله: لو أمكن أن يلحقه العدم) إنما قال أمكن ولم يقل لأنه لَوْ لحقه العدم لانتفى عنه القدم؛ لأن امتناع إمكان لحوق العدم يستلزم امتناع لحوقه من باب أولى بخلاف العكس؛ وذلك لأن إمكانَ الحوقِ أعمُ من الحوق، وامتناع الأعم يستلزم امتناع الأخص دون العكس، وأيضًا المقصود الاستدلال على وجوب البقاء ولا ينتجه إلا استحالة إمكان العدم الإمكان العام الصادق بوجوب العدم وجوازه؛ لا الإمكان الخاص القاصر على الجواز، وحيث استحال الإمكان العام بقسميه بأن انتفى وجوب العدم وجوازه ثبت وجوب نقيضه الذي هو البقاء، واستعمال المصنف الإمكان في المعنى الأعم وإن كان شائعًا عند المناطقة لكنه مجاز في عرف المتكلمين، والقرينة على قصده مقابلته له أي بالإمكان وجوب البقاء المستدل عليه بابطال نقيضه، ولا شك أنه لا يصح له أخذ البقاء إلا ببيان استحالة الإمكان العام فتأمل.
(قوله: والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا) ذكر لفظ وجود ولم يقل والجائز لا يكون إلا حادثًا؛ لأنه لا يوصف بالحدوث إلا الموجود المسبوق بالعدم، وأما ما كان من الجائزات غير موجود فلا يوصف بالحدوث كإيمان أبي جهل فإنه جائز عقلًا غير حادث، إذ لم يوجد حتى يوصف بالحدوث، فنتج من هذا أن الجائز أعم من الحادث فكل حادث جائز ولا عكس.
فإن قلت: قوله والجائز لا يكون وجوده إلا حادثا فيه نظر؛ إذ لا نسلم أن وجود الجائز لا يكون إلا حادثا لجواز أن يستند الجائز في وجوده لعلة قديمة فيكون قديمًا. قلت: مراده بالجائز عند أهل الحق النافين لتأثير العلة والطبيعة لا يكون وجوده إلا حادثًا؛ فيه نظر إذ لا نسلم أن وجود الجائز لا يكون إلا حادثًا لجواز ان يستند الجائز في وجوده لعلة قديمة فيكون قديمًا. قلت: مراده بالجائز عند أهل الحق النافين لتأثير العلة والطبيعة لا يكون وجوه إلا حادثًا؛ على ان الجائز المستند لعلة قديمة.
وإن قال الفلاسفة بقدمه لاستناده لعلته القديمة لا يتحاشون من القول بأنه جائز نظرًا لاستناده للغير وعدم استقلاله، وحينئذ فقد صح حتى على مذهبهم أن الجائز لا يكون وجوده إلا حادثًا.
(قوله: لا شك أن وجوب القدم مستلزم لوجوب البقاء) أشار بهذا إلى أن القدم دليل للبقاءِ، لأن الدليل ما يستلزم المطلوب أي ما يلزم من وجوده وجود المطلوب، ولَمَّا كان العلم بالمدلول متوقفا على العلم بالدليل وقد قام عندك البرهان الذي سمعته في القدم ثبت عندك بقاؤه. (قوله: البرهان القاطع) أي المقطوع بمقدماته، وَوَصْفُ البرهانِ بالقاطعِ وصفٌ كاشفٌ، وفيه دفع لما يتوهم