(ص) حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه فإنه يرى لها من الأسرار والعجائب إن شاء الله تعالى ما لا يدخل تحت حصر وبالله تعالى التوفيق، لا رب غيره ولا معبود سواه، نساله سبحانه أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمة الشهادة عالمين بها وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين.
(ش) قد آن لنا أن نذكر في شرح هذه الجملة الفصول الأربعة التي كنا وعدنا يذكرها هنا، وهي: بقية الفصول السبعة المتعلقة بهذه الكلمة المشرفة.
[الفصل الأول: حكم النطق بكلمة الإخلاص]
أما الفصل الأول من الأربعة ففي بيان حكم هذه الكلمة:
فاعلم أن الناس على ضربين مؤمن وكافر، أما المؤمن بالأصالة فيجب عليه أن يذكرها مرة في العمر، ينوى في تلك المرة بذكرها الوجوب، وإن ترك ذلك فهو عاص، وإيمانه صحيح والله أعلم. ثم ينبغي له أن يكثر من ذكرها بعد أداء الواجب كما أشرنا إلى ذلك بقولنا في أصل العقيدة فعلى العاقل أن يكثر من ذكرها مستخضرًا لما احتوت عليه، ويعرف معناها أوَّلًا لينتفع بذكرها دنيا وأخرى،
[حاشية الدسوقي]
والجواب: أن على هنا ليست للوجوب بل للتحضيض، فالقصد من الكلام التحضيض والحث على كثرة الذكر، والمراد بالعاقل المؤمن، وسماه عاقلا لانتفاعه بعقله، وأما الكافر لما لم ينتفع بعقله كان كالبهائم. (قوله: حتى تمتزج) أي: إلى أن تمتزج فإذا امتزجت بلحمه ودمه صارت جبلية له، فينتفي الطلب حينئذ، لأنه إنما يطلب ما كان غير جبلي، ثم إن الامتزاج من أوصاف الأجسام بأن يمتزج جسم بجسم ويخلط به وحينئذ فما معنى الامتزاج هنا، وأجيب: بأن المراد بالامتزاج هنا شدة التمكن، فإذا أكثر من ذكرها وداوم على ذلك مدة صارت تجري على لسانه وهو نائم لشدة تمكنها من جوارحه فهو امتزاج سرياني كامتزاج الماء بالعود الأخضر. (قوله: فإنه يرى) أي: فإذا امتزجت بلحمه ودمه فإنه يرى أي: إجمالا فلا ينفي قوله ما لا يدخل تحت حصر، وأراد بالأسرار صفاء القلب والتجليات التي ترد عليه، وأراد بالعجائب الأمور الظاهرة كالخوارق للعادة. (قوله: وبالله تعالى التوفيق) هو خلق القدرة على الطاعة، فهو أخص من الإعانة التي هي خلق القدرة على الفعل سواء كان طاعة أم لا فبينهما عموم وخصوص مطلق فالإعانة أعم، وقيل: إن التوفيق خلق الطاعة، وهذا أقرب لأن التوفيق مأخوذ من الوفاق وهو يحصل بالطاعة. (قوله: لا رب غيره) علة لسؤال التوفيق من الله دون غيره. (قوله: وأحبتنا) أي من يحبنا لا من نحبه كما نقل عن المصنف، والحاصل أن المراد بأحبته من يحبه فيصدق بمن يأتي بعده ويحبه، وضمير يجعلنا للمتكلم المعظم نفسه لا للمتكلم ومعه غيره لئلا يتكرر مع أحبتنا على أن الإطناب في الدعاء مطلوب. (قوله: ناطقين بكلمة الشهادة) أي: لأجل أن ندخل الجنة بدون سابقة عذاب لما ورد في الحديث المتقدم. (قوله: عالمين بها) أي: بمعناها مستحضرين لما انطوت عليه من العقائد. (قوله: عدد ما ذكره) أي: الله، وكذا قوله: وغفل عن ذكره، ويصح ترجيع كل من الضميرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الذاكرين لله أكثر من الغافلين عنه والغافلين عن ذكر النبي أكثر من الذاكرين له وحينئذ فالاحتمالان متساويان، والحاصل: أن الواقع في كلام المصنف ذكره بضمير الغيبة في المحلين ويقع في بعض الصلوات بضمير الغيبة في ذكره الأول وبضمير الخطاب في ذكره الثاني، وفي بعضها بضمير الخطاب في الأول والغيبة في الثاني وهي أبلغ لما علمت أن الذاكرين لله أكثر من الغافلين عن ذكره، والغافلين عن ذكر النبي أكثر من الذاكرين له، وفي بعض الصلوات بضمير الخطاب في الموضعين، والحاصل أن الصيغ أربع: الغيبة فيهما، والخطاب فيهما، والغيبة في الأول، والخطاب في الثاني، وبالعكس، والواقع في المصنف الصيغة الأولى وهي الغيبة فيهما. (قوله: ورضي الله الخ) السلف يقولون: إن الرضا صفة لله لا يعلمها إلا هو فيجب أن نعتقد أن له صفة يقال لها الرضا ولا نخوض في معناها بل نفوض معناها لله، وأما الخلف فيؤولونه بالإنعام أو إرادة الإنعام فهو صفة ذات أو صفة فعل فعلى أنه صفة فعل فالدعاء به ظاهر وعلى أنه صفة ذات فالدعاء باعتبار متعلقه وهو الإنعام. (قوله: بإحسان) المراد به الإيمان أي التابعين لهم في الإيمان فتدخل العصاة، وليس المراد بالإحسان الطاعة وإلا كان الدعاء قاصرا على الطائعين دون العصاة. (قوله: إلى يوم الدين) أي: طائفة بعد طائفة إلى يوم الدين أي: إلى قرب يوم الدين أي: إلى ما قبل النفخة الأولى لأن المؤمنين يموتون بريح لينة تهب عليهم قبل النفخة الأولى فيموتون بها والذي يموت بالنفخة الأولى الكفار، إذا علمت هذا فقوله إلى يوم الدين أي: إلى الزمن الذي يأتي فيه الريح القريب من يوم الدين. (قوله: والحمد لله رب العالمين) ختم كتابه بها لأنه من ذوات البال، والأمر ذو البال ينبغي ابتداؤه بالحمد واختتامه به. (قوله: بالأصالة) أي: الذي لم يسبق له كفر. (قوله: الوجوب) أي: أداء الواجب. (قوله: وإن ترك ذلك) أي: بأن لم يأت بها أصلا أو أتى بها ولم ينو أداء الواجب عليه فهو عاص تحت المشيئة إن شاء