بمباحث الحكم الشرعي في الأصول.
وأما الحكم العادي فحقيقته إثبات الربط بين أمر وأمر وجودًا أو عدمًا بواسطة تكرر القران بينهما
[حاشية الدسوقي]
كطلب الكف عن أكل الميتة سببها خبث الميتة ولها مانع وهو الاضطرار ولها شرط وهو عدم الاضطرار، والإباحة كالتخيير في البيع لها شرط وهو الانتفاع بالبيع ونحوه وله موانع كفعله وقت نداء الجمعة وكالتخيير في النكاح، وله موانع كأن تكون الزوجة محرما وسببه العقد وشرطه خلوها من العدة.
(قوله: بمباحث) جمع مبحث وهو محل البحث وذلك المحل هو القضايا، وأما البحث فهو إثبات المحمولات للموضوعات، والمراد بالمحل الحلول أي وحلول استيفاء الكلام المتعلق بالقضايا التي يبحث فيها عن الحكم الشرعي في فنِّ الأصول، وإنما جعلنا محل بمعنى حلول لئلا يلزم ظرفية الشيء في نفسه، لأن فنَّ لأصول هو محل الاستيفاء المذكور لا أنه ظرف لمحل الاستيفاء، كذا قُرِّرَ، وقد يقال إن محل الاستيفاء المذكور بعض فنِّ الأصول فهو من ظرفية الجزء في الكل فلا داعي لتأويل المحل بالحلول.
(قوله: إثبات الربط بين أمر وأمر الخ) الإثبات في الأصل إدراك الثبوت والمراد به هنا مجرد الإدراك فيجرد عن بعض معناه، والربط هو التعلق والارتباط، والمراد به النسبة الحكمية و"بين"ظرف في محل نصب على الحال، والمراد بأمرين الموضوع والمحمول، فمتى أريد بأحدهما أحدهما أريد بالآخر الآخر، وحينئذ فالمعنى فحقيقته إدراك النسبة الحكمية الكائنة بين المحمول والموضوع.
واعلم أن الشارح قد عَرَّفَ الحكم الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام بأنه إثبات أمر أو نفيه فقد أضاف الإثبات للأمر المحمول المثبت أو المنفي وهو هنا في تعريف الحكم العادي قد أضاف الإثبات للربط أي النسبة الحكمية، فمتعلق الإثبات فيهما قد اختلف، وحينئذ لم يكن الحكم العادي المعرف هنا بما ذكر من أقسام الحكم المعرف فيما مرَّ بأنه إثبات أمر لأمر وهو قد جعله من أقسامه فكان المناسب لذلك أن يقول فحقيقته إثبات أمر أو نفيه بواسطه تكرر القران بينهما على الحس، وأجيب بأن إثبات الربط بين أمرين مستلزم لاثبات أحدهما للآخر فوافق تعريف العادي ما مر على أن الإثبات فيما مر قد فسر بإدراك الثبوت والمراد بالثبوت النسبة فيكون متعلق الإثبات فيما مر في المعنى موافقا لمتعلقه هنا تأمل.
(قوله: وجودًا أو عدما) تمييز راجع لكل من الأمرين على البدل؛ أي إثبات الربط بين أمر من جهة وجوده أو عدمه وبين أمر آخر من جهة وجوده أو عدمه، وعليه ففيه حذف من الأول لدلالة الثاني، بناء على جواز حذف التمييز لدليل أو راجع لهما معًا، لا على البدلية ولا حذف أي من جهة وجودهما أو عدمهما، ودخل تحت هذا الكلام أقسام الربط الأربعة وهي ربط وجود بوجود كربط وجود الشبع بوجود الأكل، وربط عدم بعدم كربط عدم الشبع بعدم الأكل، وربط وجود بعدم كربط وجود الجوع بعدم الأكل، وربط عدم بوجود كربط عدم الجوع بوجود الأكل، فإدراك الربط المذكور يسمى حكمًا عاديًا.
(قوله: بواسطة تكرر القران) أي الاقتران بينهما أي بين الأمرين، وإضافة واسطة لما بعدها بيانية، وهذا فصلٌ مخرج لإدراك الربط الواقع بين أمرين شرعًا أو عقلًا كالربط الذي بين زوال الشمس ووجوب الظهر، وكالربط بين قيام العلم بمحله وكون ذلك المحل عالما فالأول ربط شرعي والثاني عقلي، وليس أحدهما عاديا لعدم توقفه على تكررٍ، فلا يسمى إدراك هذا الربط حكما عاديًا.
والحاصل أن الربط العادي ما توقف على التكرر، فإدراكه يسمى حكما عاديًا، وأما الربط الشرعي والعقلي فلا يتوقفان على تكررٍ، فإدراك الأول يسمى حكما شرعيا، وإدراك الثاني يسمى حكما عقليا، وأقل ما يحصل به التكرار وقوع الشيء مرتين فإذا لم يقع إلا مرةً واحدةً لم يكن ذلك الشيء عاديًا، فلا يكون مستندا للحكم العادي، فلو حكم حاكم بأن هذه النار محرقة لمشاهدة ذلك فيها مرة واحدة ولم يتكرر عليه ذلك كان إثبات الإحراق للنار ليس حكمًا عاديًا؛ بل هو داخل في الحكم العقلي لأن هذا من جائزات الأحكام كما يأتي، واعلم أن كون التكرار مستند الحكم أعم من أن يكون على الحاكم نفسه أو على غيره ممن يقلده في ذلك الحكم كحكم الواحد