فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 238

من دليلي العقل والنقل، وقد أطبق العقل والشرع على انفراد المولى جل وعز باختراع جميع الكائنات عمومًا، وأنه لا أثر لكل ما سواه تعالى في أثر ما جملةً وتفصيلًا.

[بيان اختلاف العقلاء في الاسباب العادية]

وقد غلط قوم في تلك الأحكام العادية

[حاشية الدسوقي]

فيما بعد. هذا كلامه.

(قوله: من دليلي العقل والنقل) أي من الدليل العقلي والنقلي الدال كل منهما على ثبوت الوحدانية له تعالى في الأفعال، فالنقلي كقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102] ، والعقلي هو أن تقول لو كان لغيره تعالى تأثير في شيء من الكائنات لكان تعالى عاجزًا عن ذلك الممكن، لكن التلي باطل أذ لو كان عاجزًا عن ممكن لكان تعالى عاجزا عن غيره أيضا للتماثل، لكن التالي باطل إذ لو كان عاجزا لما وجد شيء من الكائنات، لكن التالي باطلٌ.

واعلم أن الدليل العقلي مستقل بإثبات الوحدانية، وأما الدليل النقلي فقيل إنه مستقل أيضا باثباتها، وهو رأى الفخر ومن وافقه، وقيل إنه لا يستقل وهو مذهب المحققين، قال المصنف في الكبرى: وهو رأي لما يلزم عليه من الدور كما سيأتي بيانه من توقف الوحدانية حينئذ على السمع، والحال أن السمع متوقف ثبوته على المعجزة، وتوقفها على الوحدانية، فقول الشارح وإنما يتلقى العلم بفاعل هذه الآثار المقارنة لهذه الأشياء من دليلي العقل والنقل يحتمل أن مراده استقلال كل من الأمرين بالدلالة كما هو رأي الفخر، ويحتمل أن مراده تقوية الدليلين ببعضهما مع منع استقلال دليل النقل.

(قوله: وقد أطبق العقل) أي الدليل العقلي والشرعي. (قوله: عموما) حال من الكائنات أي حالة كونها معممًا فيها أي سواء كانت تلك الكائنات ذوات أو صفات أو أفعالا كانت الأفعال اختيارية أو اضطرارية كانت خيرا أو شرًا.

(قوله: وأنه لا أثر) أي لا تأثير. (وقوله: لكل ما سواه) الأولى حذف كل لئلا يتوهم أنه من سلب العموم وأن المنفي تأثير كل ما سواه وأما تأثير بعض ما سواه فغير منفي مع أن القصد عموم السلب، فالمنفي تأثير ما سواه كلا أو بعضًا، وهذه الجملة كالتأكيد لما قبلها.

(قوله: جملةً وتفصيلًا) أي حالة كون ذلك الأثر مجملا أو مفصلا أي مُبَيَّنَا خلافا لما نُقِلَ عن الأستاذ أبى اسحق الاسفرايني وهو بريء منه من أن المؤثر في الفعل مجموع القدرتين قدرة الله وقدرة العبد، وأنه جوز اجتماع مؤثرين على أثر واحد على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل وقدرة العبد بوصفه بأن تجعله موصوفا بكونه طاعة أو معضية، فالصلاة لها حيثيتان حيثية كونها فعلا وحيثية كونها طاعة فهي من حيث كونها فعلا مخلوقة لله ومن حيث كونها صلاة وطاعة مخلوقة للعبد، وكذا لطم اليتيم من حيث كونه فعلا مخلوق لله ومن حيث كونه إيذاء أو تأديبا مخلوق للعبد، فقد أثبت للعبد تأثير على طريق التفصيل.

فإن قلت يشكل على قوله ولا أثر لما سواء أن القدرة تؤثر في المقدور، والإرادة تخصصه.

قلت: هذا كلام مبنى على المساهلة إذ المؤثر والمخصص هو الذات العلية؛ لكن لما كان للقدرة والإرادة دخل في التأثير والتخصيص نسبا إليهما على أنَّا لا نسلم أن القدرة والإرادة من السوى، لأن المراد بما سواه ما كان مغايرًا له منفصلا عنه، والصفات ليست عينا ولا غيرًا، أي ليست عين الذات بحسب المفهوم ولا مغايرة لها؛ مغايرة انفكاك وانفصال بحيث تكون غيرًا لها منفصلا عنها.

(قوله: وقد غلط قوم الخ) اعلم أن العقلاء على أربعة أقسام:

فمنهم من اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر في مسبباتها بطبعها وذاتها والتلازم بينهما عقلي، وهذا كافرٌ إجماعا.

ومنهم من اعتقد أن الأسباب العادية تؤثر في مسبباتها بقوة أودعها الله فيها، والتلازم بينهما عادي، وهذا في كفره قولان، والصحيح عدم كفره، ومن هذا يعلم أن الصحيح عدم كفر المعتزلة لأنهم يقولون إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية بقوة أودعها الله فيه، وهي القدرة الحادثة التي خلقها فيه.

ومنهم من يعتقد أن المؤثر في المسببات العادية كلإحراق والري والشبع هو الله وحده إلا أنه يعتقد أن الملازمة بين الأسباب والمسببات عقليةٌ لا يمكن تخلفها فمتى وجدت النار وجد الإحراق، ومتى وجد الأكل وجد الشبع، وهذا غير كافرٍ إجماعا إلا أن هذا الاعتقاد جهل، وربما جره ذلك الجهل إلى الكفر لأنه يلزمه إنكار ما خالف العادة، فربما أنكر البعث واحياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت