والتقوية لما هو مستقل بنفسه، ولا يرد عليه شيء وهو الدليل النقلي حسن، وقد لوحنا إلى ذلك بتأخيره في أصل العقيدة وبالله التوفيق.
(ص) وأما برهان كون فعل الممكنات أو تركها جائزًا في حقه تعالى فلأنه لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلًا أو استحال عقلًا لانقلب الممكن واجبًا أو مستحيلًا
[حاشية الدسوقي]
على الذات بقبولها لتلك الصفات فرع عن تصورها، وحقيقة ذاته تعالى غير معلومة لنا بالكنه، حتى نعلم ما تقبله مما لا تقبله، وإنما يجب قبولها لما دلت عليه الأفعال، وتوقفت على الاتصاف به، والسمع والبصر والكلام لا يتوقف الفعل عليها، وإن اعتمدتم في قبول الذات لهذه الصفات على قاعدة قبولها لكل كمال فمسلم أنها تقبل كل كمال لكن من أين لكم أن هذه الصفات كمال، فإن اعتمدتم على الشاهد قلنا ليس كل ما كان كمالا في الشاهد كمالا في الغائب، ألا ترى أن الزوجة والولد كمال في الشاهد لا في الغائب، سلمنا أن هذه الصفات كمال، وأن الذات تقبلها، فمن أين أتاكم أنها إذا لم تتصف بها تتصف بأضدادها، وقولكم القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده ممنوع، وسند المنع أنه لا يلزم في كل شيء أن يكون له ضد، لجواز أن يكون التقابل بين الشيء وبين منافيه تقابل العدم والملكة، سلمنا أن مقابل تلك الصفات أضداد لكن لا نسلم منع الخلو عن الشيء وعن ضده، ألا ترى أن الهواء خال عن الألوان كلها، وكذلك الماء، سلمنا منع الخلو وصحة الشرطية لكن لا نسلم الاستثنائية، وقولكم في بيانها لأنها نقائص لا يصح إذ لا يلزم من كون أضدادها نقصا في حق الشاهد أن تكون نقصا في حق الغائب، ألا ترى عدم اتخاذ الزوجة والولد فإنه نقص في حق الشاهد وليس كذلك في حق الغائب.
(قوله: والتقوية) أي للمدلول، فالمدلول ثبت بالسمعي وزاده العقلي قوةً، وليس المراد أن دلالة الأول على المطلوب ضعيفةٌ ولا تقوى عليه إلا بالثاني، ويدل على ذلك جعله الأول مستقلا بنفسه، أي لا يحتاج إلى معونة من الدليل العقلي بخلافه هو.
إن قلت: الدليل النقلي لا يستقل أصلًا، بل دائما يتوقف على استعمال العقل. قلت المراد باستقلال النقلي أنه لا يتوقف في إفادة المطلوب على برهان عقلي، وهذا لا ينافي أن العاقل لا يفهمه إلا باستعمال العقل فيه. (قوله: ولا يرد عليه شيء) اعترض بأن السمعي قد ورد عليه بحثٌ كما قدمنا عند قوله فالكتاب والسنة والإجماع.
وحاصله أن غاية ما أفاده الكتاب والسنة والإجماع أن الله سميع وبصير ومتكلم، وليس هذا مطلوبنا، بل المطلوب إثبات أن السمع والبصر والكلام صفات زائدة على الذات تتصف الذات بها، وحاصل الجواب أن قوله ولا يرد عليه شيء أي خال عن الجواب كالوارد على العقلي، وهذا لا ينافي أن النقلي ورد عليه شيء، لكن معه جواب، وقد علمت الجواب عن هذا الاعتراض فيما مر، وحاصله أن المراد بقوله فالكتاب والسنة والإجماع أي مع ضميمة فهم أهل اللغة فتأمل.
(قوله: فلأنه لو وجب عليه تعالى شيء منها عقلا الخ) اعلم أن مذهب أهل السنة استواء الأفعال كلها بالنسبة للقدرة الأزلية، ولا يجب على الله تعالى فعل شيء أصلًا، وقالت المعتزلة يجب على الله فعل الصلاح والأصلح، كإثابة الطائع وعقاب العاصي، وكالاخترام إذا علم من المعصوم أو التائب أنه يكفر أو يفسق لو بقي، لما في تركه من تفويت ما كان عليه من الطاعة، ثم إن الوجوب على مذهب المعتزلة ليس معناه توجه الأمر الجازم عليه تعالى بحيث يكون هناك طالب غير الله طلب منه ذلك الأمر وحتمه عليه، وليس معناه أيضا إلحاق الضرر له بتقدير الترك لما وجب؛ كما هو شان الواجبات، لأنه تعالى منزه عن النفع والضر، بل المراد بوجوب ذلك عليه أنه يفعله ولابد للحسن الذاتي الذي اشتمل عليه الفعل، فلا يسوغ تركه بحسب الحكمة، إذا علمت هذا فقول المصنف في الرد عليهم لو وجب عليه شيء منها أي كالصلاح والأصلح كما يقوله المعتزلة، وقوله عقلا أي من جهة العقل بحيث صار لابد من فعله لاشتماله على الحسن الذاتي، وليس المراد بوجوبه أنه يفعله ولابد مع كونه جائز الترك، لأنه ليس فيه حينئذ انقلاب حقيقة الممكن، لأنه صار الوجوب عرضيًا، ولا ضرر في صيرورة الممكن واجبًا عرضيًا.
(قوله: أو استحال عقلًا) أي أو استحال شيء منها من جهة العقل لاشتمال الفعل على قبح ذاتي كترك الثواب والأصلح.
(قوله: لانقلب الممكن واجبا أو مستحيلا) أي على تقدير وجوب شيء منها، أو استحالته، وبيان الملازمة أن وجوب الشيء إنما هو لما اشتمل عليه من الحسن الذاتي، وإذا اشتمل الفعل على حسن ذاتي كان واجبا ذاتيًا، والفرض أنه