يصلح أن يجعل أمارة على ما جعل الآخر أمارة عليه.
والظلم على مولانا جل وعز مستحيل كيفما فعل أو حكم، إذ الظلم هو التصرف على خلاف الأمر، ومولانا جل وعز هو الآمر الناهي المبيح فلا أمر ولا نهي يتوجه إليه ممن سواه؛ إذ كل ما سواه ملك له جل وعلا لا يبدئ شيئا ولا يعيده ولا أثر له في شيء البتة، ولا شريك له تعالى في ملكه ولا يُسئل عما يفعل؛ فصح إذن أن يدرك العقل لكل من المؤمن والكافر والمطيع والعاصي صحة وجود الثواب والعقاب أو عدمهما، واختصاص كل واحد بما اختص به من ذلك إنما هو بمحض اختيار مولانا جل وعز لا بسبب عقلي
[حاشية الدسوقي]
للعلم بهما بطريق المقايسة.
(قوله: يصلح أن يجعل) أي يجعله الله (قوله: على ما جعل الآخر علامة عليه) أي من الإثابة والتعذيب كأن يجعل الطاعة والإيمان علامة على التعذيب والكفر، والمعصية علامة على الإثابة.
والحاصل أن المولى جعل الإيمان والطاعة علامة على دخول الجنة، وجعل الكفر والمعصية علامة على دخول النار ولو جعل المعصية علامة على دخول الجنة والطاعة علامة على دخول النار لصح ذلك عقلًا؛ إذْ لا يترتب على ذلك محال، ويؤخذ من هذا أنه يجوز عقلا إثابة العاصي لأجل عصيانه وتعذيب الطائع لأجل طاعته.
(قوله: والظلم على مولانا الخ) هذا علة لمحذوف أي وليس في جعل أحدهما علامة على ما جعل الآخر علامة عليه ظلم؛ لأن الظلم على مولانا محال، فلا تتعلق به قدرته، لأنها إنما تتعلق بالممكنات.
(قوله: كيفما فعل أو حكم) "ما"زائدة أي الظلم عليه مستحيل في أي فعل فعله سواء كان حسنًا بالنسبة لما عندنا أو كان قبيحا كأن أنزل علينا نارا أحرقتنا، وكجعل الدنيء منزلة مرتفعا على غيره، وجعل العلي منزلة منخفضا عن غيره، وفي أي حكم حكم به كان يحكم بوجوب مائة صلاة في اليوم والليلة، وبهذا التقرير ظهر لك مغايرة قوله"فعل"لقوله"حكم"فتدبر.
(قوله: إذ الظلم الخ) علة لقوله والظلم على مولانا مستحيل، قال السيوطي: الظالم هو من يتصرف في ملك غيره بما لم يأذن له فيه، والله سبحانه وتعالى هو المالك المطلق يتصرف في ملكه كيف يشاء، ويؤخذ منه تعريف الظلم بأنه التصرف في ملك الغير بما لم يؤذن له فيه.
(قوله: على خلاف الأمر) أي والنهي والإباحة بأن يترك الشخص الصلاة التي أمر الله بها أو يرتكب الزنا الذي نهى الله عنه.
(قوله: هو الآمر) أي أمر إيجاب أو ندب. (قوله: الناهي) أي نهي تحريم أو كراهة. (قوله: فلا أمر ولا نهي) أي ولا إباحة. (قوله: ممن سواه) غلب العاقل على غيره، فعبر بمن ويؤيده قوله بعد: إذ كل من سواه الخ، لأن المتوهم فيه ذلك هو العاقل. (قوله: مِلْكٌ له) بكسر الميم أي مملوك له فلم يكن هناك من هو أعلى من الله حتى يأمره أو ينهاه. (قوله: لا يبدئ شيئا) أي لا يوجد شيئا ابتداء (قوله: ولا يعيده) أي لا يوجده بعد العدم (قوله: ولا أثر له في شيء) أي ولا تأثير لمن سواه في شيء، لا بطريق الإيجاب ولا بطريق التولد ولا بغير ذلك من الطبيعة ونحوها. (قوله: البتة) همزته همزة قطع ومعناه قطعا. (قوله: ولا شريك له) عطف على قوله إذ كل من سواه الخ فهو عطف علة على علة. (قوله: في مُلكه) بضم الميم يطلق على المخلوقات ويطلق على التصرف فيها، وكل منهما يصح إرادته هنا.
(قوله: لا يسئل عما يفعل) اعلم أنه وقع خلاف في فعل الله فقيل إنه لابد له في كل فعل من حكمة، وتلك الحكمة تارة نطلع عليها، وقيل: ليس ذلك بلازم ولا يسئل عما يفعل أي لا ينبغي السؤال عن حكمة فعله، وعلى ذلك القول جرى الشارح حيث قال ولا يسئل عما يفعل، والمراد بالسؤال المنفي السؤال الذي فيه شائبة اعتراض أما السؤال على سبيل الاسترشاد فقد وقع كثيرا.
(قوله: فصح إذن) أي فإذا نظر في برهان الوحدانية وعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله صح إذن أي وقتَ أنْ نَظَر في برهان الوحدانية وعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله، فالتوين عوض عن الجملة. (قوله: أن يدرك العقل) أي إدارك العقل وهو فاعل صح، وقوله لكل من المؤمن الخ متعلق بصحة من قوله صحة وجود الثواب التي هي مفعول يدرك أي فصح إدراك العقل وقت أن نظر في برهان الوحدانية فعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لله صحة وجود الثواب الخ لكل مؤمن أي جواز وجوده عقلاُ لكل مؤمن الخ، فالمراد بالصحة الجواز عقلا والمراد بالثواب مقدار من الجزاء تفضل المولى به على من يشاء من عبيده في نظير أعمالهم الحسنة.
(قوله: أو عدمهما) عطف على وجود (قوله: واختصاص الخ) اختصاص مبتدأ خبره قوله: إنما هو بمحض اختيار مولانا، وقوله كل واحد أي من المؤمن والكافر والمطيع والعاصي. (قوله: بما اختص به من ذلك) أي مما اختص به من المذكور وهو الثواب والعقاب أو عدمهما. (قوله: بمحض اختيار مولأنا) أي باختياره المحض أي الخالص