فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 238

يعني أيضا إما ضرورة وإما بعد سبق النظر، فمثال الأول اتصاف الجرم بخصوص الحركة مثلًا؛ فإن العقل يدرك ابتداء صحة وجودها للجرم وصحة عدمها له، ومثال الثاني تعذيب المطيع الذي لم يعص الله قط طرفة عين، فإن العقل إنما يحكم بجواز هذا التعذيب في حقه عقلًا بعد أن ينظر في برهان الوحدانية له تعالى، ويعرف أن الأفعال كلها مخلوقة لمولانا جل وعز لا أثر لكل ما سواه تعالى في أثر ما البتة، فيلزم من ذلك استواء الإيمان والكفر والطاعة والمعصية عقلًا، وأن كل واحد من هذه

[حاشية الدسوقي]

موجودة في خارج الأعيان، أو أنه مر على طريقة الأشعري من نفي الأحوال، ويرد عليه أيضا عدم العوالم فيما لايزال فإنه جائز، ومع كونه جائزًا لا يقبل الوجود ولا العدم، أما عدم قبوله الوجود فلأن الشيء لا يقبل ضده، وأما عدم قبوله العدم فلأن الشيء لا يقبل نفسه فهو أيضا خارج عن الحد، والمطلوب دخوله فيه. وأجيب بأن الأعدام فيما لا يزال موجودة في نفس الأمر ومتحققة فيه، وقول المعترض إنها لا تقبل الوجود ولا العدم إن أراد انها لا تقبل الوجود في خارج الأعيان فمسلم، لكن ليس كلامنا فيه، وإن أراد أنها لا تقبل الوجود والتحقق في نقس الأمر فممنوع.

(قوله: يعنى أيضا إما ضرورة الخ) أي وتجويز العقل لوجوده ولعدمه إما ضرورة وإما بعد سبق نظر، أي بعد نظر سابق محتاج له وعدوله عن قوله في المستحيل يعنى ابتداء أو بعد سبق نظر، وجمعه في الواجب بين قوله ابتداء وبلا سبق نظر تفنن.

(قوله: بخصوص الحركة مثلا) أي أو بخصوص السكون أو بالاجتماع أو بالافتراق. (قوله: صحة وجودها للجزم) أي جواز وجودها للجرم، ويدرك جواز عدمها له لكونه لا يلزم على وجودها له محال، ولا يلزم على عدم وجودها له محال. (قوله: تعذيب المطيع) أي ولو مَلَكًَا أو ما هو أفضل منه ولا ينافي هذا ما ورد من القطع بعدم ذلك بمقتضى الوعد الكريم، لأن الكلام في الجواز العقلي لا الوقوعي، ولهذا قالوا: إن الله لا يغفر أن يشرك به باجماع المسلمين، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز عقلا الغفران له أم لا، فذهب أهل السنة إلى الجواز عقلًا وإنما علم عدمه من السمع، وذهبت المعتزلة إلى أنه ممتنع عقلًا إذ لا حسن فيه حتى يدرك العقل جوازه، وتبعهم بعض الحنفية.

(قوله: لم يعص الله قط طرفة عين) أي لم يعص الله أبدًا في زمان قدر طرفة عين، وطرفة العين غلق الجفن على العين ثم فتحه، والمراد أنه لم يقع منه عصيان أصلًا. (قوله: في حقه) أي المطيع (قوله: عقلا) أي فإن العقل إنما يحكم بالجواز من جهة العقل لا من جهة الشرع لأن العقل إنما يحكم من جهته بإثابة الطائع المذكور لا بتعذيبه، والحاصل أن الطائع الذي لم يصدر منه عصيان يحكم العقل بجواز تعذيبه من جهة العقل أي من جهة استناده للدليل العقلي، ويحكم بإثابته من جهة الشرع أي من جهة استناده للدليل الشرعي.

(قوله: في برهان الوحدانية) أي وهو أن يقال لو وجد إلهان لزم إما أن يتفقا وإما أن يختلفا، لكن اللازم باطل بقسميه فبطل الملزوم وهو تعدد الإله، وثبت نقيضه وهو وحدته، وبيان بطلان اللازم أنهما لو اختلفا فإن نفذ مرادهما وحصل الممكن بقدرتيهما لزم اجتماع النقيضين أو الضدين، وإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر كان من لم ينفذ مراده عاجزا لعدم تعلق قدرته وإرادته، وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر، وإن اتفقا فإن نفذ مرادهما وحصل الممكن بقدرتهما لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن حصل بقدرة أحدهما كان من لم تتعلق قدرته بذلك الممكن عاجزًا لعدم تمام تعلق قدرته، وما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر وعجز الإله محال.

(قوله: ويعرف أن الأفعال كلها) أي سواء كانت اضطرارية أو اختيارية مخلوقةٌ لمولانا، وإنما خص الأفعال بالذكر وإن كانت الذوات والصفات مخلوقة لله أيضا لأنها في الجملة محل الخلاف بيننا وبين المعتزلة، أو لأن الكلام فيها، ولهذا أتى بالتعميم بعد ذلك.

(قوله: لا أثر) أي لا تأثير الخ، وهذا لازم لقوله إن الأفعال كلها مخلوقة لله. (قوله: فيلزم من ذلك) أي من كون العقل إنما يحكم بجواز التعذيب بعد النظر في برهان الوحدانية، ويحتمل أن اسم الإشارة راجع لقوله لا أثر لما سواه.

(قوله: والطاعة والمعصية) الظاهر أنه أراد بالطاعة الواجبات والمندوبات ومثلها المباحات، وأراد بالمعصية المحرمات ومثلها المكروهات، وحينئذ فيكون عطف الطاعة والمعصية على الإيمان والكفر من عطف العام على الخاص. (قوله: وأن كل واحد الخ) عطف على استواء وهو بيان للمستوى فيه المشار له بقوله: استواء الإيمان الخ. أي استواء هذه الأمور مع أن كل واحد يصلح أن يكون الخ، (وقوله: من هذه) أي الأمور الأربعة المذكورة وسكت عن المباح والمكروه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت