وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة واجبٌ شرطٌ في صحة إيمانه القلبي مع القدرة، وإن عجز عنها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت له ونحو ذلك سقط عنه الوجوب، وكان مؤمنًا، هذا هو المشهور من مذهب العلماء أهل السنة.
وقيل: لا يصح الإيمان بدونها مطلقًا، ولا فرق في ذلك بين المختار والعاجز.
وقيل: يصح الإيمان بدونها مطلقا وإن كان التارك لها اختيارًا عاصيًا كما في حق المؤمن بالأصالة إذا نطق بها ولم ينو الوجوب، منشأ هذه الأقوال الثلاثة الخلاف في هذه الكلمة المشرفة هل هي شرط في صحة الإيمان أو جزء منه أو ليست بشرط فيه ولا جزء منه، والأول هو المختار.
وأما الفصل الثاني من الأربعة: ففي بيان فضلها، فاعلم أنه لو لم يكن في بيان فضلها إلا كونها عَلَمًَا على الإيمان في الشرع تعصم الدماء والأموال إلا بحقها؛ وكون إيمان الكافر موقوفا على النطق بها لكان كافيا للعقلاء، كيف وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة:
فمنها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له"رواه مالك في الموطأ، زاد الترمذي في روايته:"له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وروى هو والنسائي أنه صلى الله عليه وسلم قال:"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وروى النسائي أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال:"قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب علمني ما أذكرك به وأدعوك به، فقال يا موسى قل لا إله إلا الله، قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: قل لا إله إلا الله، قال لا إله إلا أنت، إنما أريد شيئا تخضي به، قال يا موسى: لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله". وقال صلى الله عليه وسلم:"يؤتى برجل إلى الميزان ويؤتى بتسعة وتسعين سجلًا، كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان، ثم تخرج بطاقة مقدار الأنملة فيها شهادة ان لا إله إلا الله محمد رسول الله فتوضع في الكفة الأخرى،"
[حاشية الدسوقي]
المولى عفا عنه وإن شاء عاقبه. (قوله: وأما الكافر الخ) حاصل ما ذكره الشارح أن الأقوال فيه ثلاثة: فقيل: إن النطق بالشهادتين شرط في صحته خارج عن ماهيته، وقيل: إنه شطر أي جزء من حقيقة الإيمان، فالإيمان مجموع التصديق القلبي والنطق بالشهادتين، وقيل: ليس شرطا في صحته ولا جزءا من مفهومه بل هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وهو المعتمد، وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بالشهادتين سواء كان قادرا على النطق أو كان عاجزا عنه فهو مؤمن عند الله يدخل الجنة وإن كانت لا تجري عليه الأحكام الدنيوية من غسل وصلاة عليه ودفن في مقابر المسلمين ولا ترثه ورثته المسلمون، فقول الشارح هذا هو المشهور غير مسلم بل هذا ضعيف. (قوله: وكان مؤمنا) أي: عند الله. (قوله: وقيل لا يصح الإيمان بدونها مطلقا) أي: سواء كان قادرا على النطق أو كان عاجزا، وهذا القول منكر وليس مبنيا على القول بأن النطق شطر من الإيمان، لأن من قال بذلك شرط القدرة، وأما العاجز عن النطق لخرس ونحوه فيكفيه في صحة إيمانه عند الله التصديق القلبي. (قوله: هل هي شرط في صحة الإيمان أو جزء منه أو ليست بشرط فيه ولا جزء منه) هذا لف ونشر مرتب الأول للأول والثاني للثاني والثالث للثالث، لكن قد علمت أن من قال: إنه شرط صحة أو جزء منه يقيد بالقدرة على النطق، وأما العاجز عنه فيكتفي منه بالتصديق القلبي اتفاقا، (قوله: علما) أي: علامة. (قوله: كيف وقد ورد في فضلها) أي: أستبعد وأتعجب من إنكار فضلها، والحال أنه قد ورد في فضلها الخ. (قوله: الحمد لله) إنما كان هذا دعاء لأنه ثناء، والمثني متعرض لطلب الإحسان، والطلب دعاء، فالمراد بالحمد لله الثناء على الله بأي صيغة من صيغ الحمد وليس المراد به الفاتحة. (قوله: وأدعوك به الخ) جعل لا إله إلا الله دعاء لأن فيها ثناء على الله بحصر الألوهية فيه، والثناء فيه تعرض لطلب الإحسان وهو دعاء، لكنه في الحمد أشد، ولا يلزم من كون الحمد أفضل الدعاء والدعاء ذكر أن يكون الحمد أفضل الذكر، فقولنا أفضل الذكر لا إله إلا الله نظير قولنا محمد أفضل الخلق، ونظير قولنا الحمد أفضل الدعاء قولنا جبريل أفضل الملائكة، والحاصل أن الذكر أنواع: دعاء وغيره، والحمد أفضل نوع من أنواعه، فلا يلزم أن يكون أفضل منه. (قوله: وعامرهن غيرى) مبتدأ وخبر، والجملة حالية أي: والحال أن المعمر لهن غيري وهو الملائكة، وهذه الحال لازمة، ويصح نصب عامرهن عطفا على اسم إن، وغير للاستثناء على حذف مضاف، أي: غير ذكري وطاعتي. (قوله: برجل) أي: معين. فهذا الحديث وارد في حق رجل معين لا في مطلق رجل. (قوله: سجلا) أي: كتابا. (قوله: مد البصر) بفتح الميم وتشديد الدال أي: طويل جدا بمقدار المسافة التي يراها البصر. (قوله: ثم تخرج) بالتاء الفوقية والمثناة التحتية مبنيا للمفعول، وقوله: بطاقة بكسر الباء نائب فاعل، والمراد بالبطاقة الورقة الصغيرة. (قوله: فيها شهادة أن لا إله إلا الله) أي: التي قالها بعد