فقد سمعت الحق الذي لا غبار عليه في حقهم عليهم الصلاة السلام فشد يدك عليه، وانبذ كل ما سواءه، والله المستعان.
قوله: وهذا بعينه هو برهان وجوب الثالث، مراده بالثالث تبليغهم عليهم الصلاة والسلام ما أمروا بتبليغه، ولا شك أنهم لو وقع منهم خلاف ذلك لكنا مأمورين بأن نقتدي بهم في ذلك، فنكتم نحن أيضا بعض ما أوجب الله تعالى علينا تبليغه من العلم النافع لمن اضطر إليه، كيف وهو محرم ملعون فاعله، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] . وكيف يتصور وقوع ذلك منهم عليهم الصلاة والسلام، ومولانا جل وعزَّ يقول لسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ، أي إن لم تبلغ بعض ما أمرت بتبليغه من الرسالة فحكمك حكم من لم يبلغ شيئًا منها، فانظر هذا التخويف العظيم لأشرف خلقه وأكملهم معرفة به، وكان خوفه على قدر معرفته، ولهذا كان يُسمع لصدره عليه الصلاة والسلام أزيز كأزيز المرجل من خوف الله تعالى، وقد شهد مولانا جل وعز لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بكمال التبليغ فقال تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقال سبحانه وتعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، وقال الله تعالى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ} [الذاريات: 54] ، والآي في ذلك كثير وبالله سبحانه وتعالى التوفيق.
(ص)
[حاشية الدسوقي]
لسانه ممتنع لعصمته. (قوله: فقد سمعت الحق الخ) أي من أن الأنبياء معصومون من المعاصي عمدا وسهوا قبل البعثة وبعدها سواء كانت صغائر أو كبائر، كانت الصغائر صغائر خسة أو لا، كانت الكبائر كفرًا أو غيره. (قوله: لو وقع منهم خلاف ذلك) أي خلاف التبليغ وهو الكتمان لشيء مما أمروا بتبليغه، وهذا إشارة لشرطية القياس الاستثنائي المستدل به على وجوب التبليغ. (قوله: لكنا مأمورين الخ) وذلك لأننا مأمورون بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، ومن جملة أفعالهم الكتمان، ويبحث فيه مما سبق من أنه لا يلزم اتباعهم إلا فيما يبلغون عن الله، وإلا لزم اتباعهم في الأمور الجبلية والأمور الخاصة بهم. (قوله: لمن اضطر إليه) قيل إنه مبني للمفعول لا غير، ويرده أنه قرئ بالبناء للفاعل أيضا في التنزيل. (قوله: كيف وهو محرم الخ) أي كيف نؤمر بكتمان العلم النافع والحال أن كتمه محرم، والاستفهام تعجبي، وهذا إشارة إلى الاستثنائية فهو في قوة لكن التالي وهو أمرنا بكتمان بعض العلم النافع باطل، لأن كتمه محرم الخ. (قوله: وكيف يتصور الخ) إشارة لدليل شرعي على وجوب التبليغ بعدما قدم الدليل العقلي صورة على وجوبه، وكأنه قال ولأنه لا يتصور وقوع عدم التبليغ عنهم، لأن مولانا الخ. (قوله: أي إن لم تبلغ الخ) هذا جواب عما يقال إنه قد اتحد الشرط والجزاء في قوله تعالى وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، لأن المتبادر منه أن المعنى وإن لم تبلغ ما أنزل الله إليك وهو الرسالة فما بلغت رسالته، وهذا لا فائدة فيه، وحاصل الجواب أن الكلام مؤول بما ذكر.
(قوله: أي إن لم تبلغ بعض ما أمرت بتبليغه) أخذ هذا من وقوع قوله وإن لم تفعل في مقابلة العموم في قوله بلغ ما أنزل إليك، أي كل ما أنزل إليك لأن ما موصولة تفيد العموم، وإليها ينسب النفي في مقابله، فيكون المعنى وإن لم تبلغ كل ما أنزل اليك وهذا من قبيل نفي العموم والشمول، والمحقق فيه السلب الجزئي، وذلك لأن عدم تبليغ الكل صادق بعدم تبليغ شيء أصلا وبعدم تبليغ البعض، وعلى كل فعدم تبليغ البعض محقق. (قوله: فحكمه حكم الخ) المتبادر منه أنه تأويل في الجزاء، وأن قوله فما بلغت رسالته في معنى قولنا فحكمك في تبليغ البعض حكم من لم يبلغ شيئًا أصلًا، وقد يقال الرسالة اسم للهيئة المجتمعة من الأحكام لا لبعضها، فكأنه قيل إن انتفى جزء من الهيئة الاجتماعية فقد انتفت بتمامها، إذ الكل ينعدم بانعدام جزء منه، ولا شك أن هذا مفاد اللفظ لا تأويل له، فالحق أن الكلام خال عن التأويل فلا تأويل في الشرط ولا في الجزاء، وحينئذ فلا حاجة لقوله فحكمك الخ.
(قوله: فحكمك حكم من لم يبلغ شيئا منها) وحينئذ فتستحق العقاب مثله، والآية وعيد وإن كانت في حقه صلى الله عليه وسلم، وإلى كونها وعيدا أشار الشارح بقوله فانظر هذا التخويف. (قوله: وكان خوفه) أي وكان خوفه عليه الصلاة والسلام من ربه على قدر معرفته به، ويعرض عما وعده به من المغفرة والأجر العظيم وكذلك حال ملوك الدنيا فكلما كان الشخص أقرب للملك منهم وأعرف بسطوته كان أخوف منه، ولا يغتر بتقريبه له وإنعامه عليه.
(قوله: كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل) أي كان يسمع لصدره غليان كغليان القدر، قال في القاموس مرجل على وزن منبر، قِدْرٌ يطبخ فيه من حجارة أو نحاس. (قوله: وقد شهد مولانا الخ) هذا جواب عن سؤال وارد على ما قدمه من أنه لا يتصور الكتمان مع كون المولى أمره بالتبليغ، وحاصل السؤال إنه يمكن أن الله أمره بالتبليغ وخالف الأمر وكتم، وحاصل الجواب أن المراد أنه لا يتصور الكتمان مع أمره بالتبليغ المصاحب لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، وكمال الدين إنما يكون بالتبليغ لجميع الأحكام، فقوله وقد شهد الخ أي والحال أنه قد شهد الخ، ومحط الفائدة على ذلك أي أنه لا يصح الكتمان مع قوله وإن لم تفعل، والحالة أنه قد شهد الخ (قوله: اليوم أكملت لكم دينكم الخ)