وأما دليل جواز الأعراض البشرية عليهم صلوات الله وسلامه عليهم فمشاهدة وقوعها بهم، إما لتعظيم أجورهم أو للتشريع أو للتسلي عن الدنيا والتنبيه
[حاشية الدسوقي]
في الآية إشارة للفرق بين الكمال والتمام، فإن التمام لإزالة نقص الأصل، والكمال لإزالة نقص العوارض مع تمام الأصل، ومن ثم قال تلك عشرة كاملة لأن التمام في العدد قد علم، وإنما نفى احتمال نقص بعض صفاته. اهـ يس.
(قوله: وأما دليل جواز الأعراض البشرية عليهم) المراد بالدليل هنا البرهان، فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص، وعبر هنا إما تفننا أو فرقا بين الواجب والجائز، و (ال) في الأعراض للعهد، والمعهود الأعراض التي لا تؤدي إلى نقصٍ كما أشار له الشارح بقوله لا يقع منها إلا ما لا يخل، وأما الأعراض التي تؤدي إلى نقص شرعًا كالمكروهات والمحرمات فدليل امتناعها ما تقدم من دليل العصمة، والتي تؤدي لنقص عُرفًا وهي الأعراض المنفرة كالجذام والبرص فدليل امتناعها أن تقول هذه الأعراض مخلة بحكمة الرسالة، وهي تعليم الشرائع، وكل ما كان مخلا بحكمة الشرائع فهو ممتنع في حقهم، ينتج الأعراض المنفرة عرفا ممتنعة في حقهم، أما الصغرى فضرورية، وأما الكبرى فلما يلزم من جواز وقوعها من خلو الرسالة عن الحكمة.
(قوله: هذه وقوعها بهم) يصح أن يكون هذا أشار لقياس استثنائي نظمه أن تقول: لو لم تجز الأعراض البشرية في حقهم لما وقعت بهم، وبيان الملازمة أن ما لا يجوز لا يقع بهم، لكن التالي باطل لمشاهدة قوع ذلك بهم، فالمقدم مثله، فإذن الأعراض البشرية جائزة في حقهم، ويصح أن يكون إشارة لقياس اقتراني ونظمه: الأعراض البشرية واقعة بالرسل بعد عدم، وكل ما وقع بهم بعد عدم فهو جائز، دليل الصغرى المشاهدة، ودليل الكبرى استحالة ثبوت الأخص وهو الوقوع بدون الأعم وهو الجواز، إذ كل واقع جائز، ولا عكس، ينتج الأعراض البشرية جائزة في حق الرسل، واعلم أن هذا الدليل إنما ينهض حجة على من جوز الرسالة للبشر، واعترف بثبوتها، ونازع في جواز لحوق الأعراض لهم، وأما من منع كون الرسول من البشر كما تقول الجاهلية فلا يتحج عليهم به. (قوله: فمشاهدة وقوعها بهم) أي لمن عاصرهم، والوقوع أقوى دليل على الجواز، لأن الوقوع فرع عن الجواز. (قوله: إما لتعظيم أجورهم) هذا بيان لفائدة وقوع الأعراض بهم، ثم إن المعروف في إما أنه لابد من تكرارها كما يدل عليه قول ابن مالك: ومثل أو في القصد إما الثانية * وقد يستغنى عن الثانية بأو، وكلام المصنف من هذا القبيل، وظاهره أن واحدًا لا بعينه من هذه الأمور فائدةُ وقوعِ الأعراضِ بهم، لما تقرر أن أو لأحد الشيئين أو الأشياء، وظاهر كلام المصنف في الشرح أن فائدة وقوع الأعراض بهم المجموع، وهو الظاهر، وحينئذ تكون بمعنى الواو، كما في حديث اسكن حراء فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد، ويكون مقابل إما محذوفا، والتقدير فمشاهدة وقوعها بهم إما لجميع ما ذكر وإما لغير ما لم يذكر كتحقق بشريتهم بتلك الامتحانات، فيرتفع الالتباس عن أهل الضعف، لئلا يضلوا بما يظهر على أيديهم من العجائب كما ضلت النصارى بعيسى، وكغير ذلك من الحكم التي يعلمها الله ولا اطلاع لنا عليها.
(قوله: إما لتعظيم أجورهم) أي كما في أمراضهم وجوعهم وإذاية الخلق لهم، فوقوع هذه الأمور لهم لتعظيم أجرهم، والمولى وإن كان قادرًا على أن يوصل لهم الأجر العظيم بلا مشقة تلحقهم أصلًا؛ لكن حكمته التي لا يجوز العقل حصرها اقتضت أن لا يوصل لهم ذلك الثواب إلا مع تلك الأعراض، ولأنه تعالى يفعل ما يشاء، ولا يسئل عما يفعل.
(قوله: أو للتشريع) أي تشريع الأحكام المتعلقة بالأعراض، وتبيينها للخلق كوقوع السهو له عليه السلام في الصلاة لأجل أن يعرفنا أحكام السهو فيها، وكحصول المرض له، والخوف لأجل أن يعرفنا كيف نؤدي الصلاة في حالتي المرض والخوف.
إن قلت: يمكن معرفة ذلك من قوله أحكام السهو كذا، وكيفية الصلاة في المرض والخوف كذا، قلت دلالة فعله أقوى من دلالة قوله، إذ لا يعدل أحد عن فعله بعد رؤيته أو ثبوته، بخلاف القول فقد يعتقد الترخيص في خلافه للمشقة. (قوله: أو للتسلي) أي التصبر عن الدنيا، أي التصبر على فقدها، أي لا جل أن يتسلى الناس بما وقع للأنبياء، فالتسلي هو التصبر وعدم الحزن على فقد الدنيا لكون أنبياء الله حصل لهم مثل ما حصل لذلك الشخص