لِخِسَّةِ قدرها عند الله تعالى وعدم رضاه تعالى بها دار جزاء لأنبيائه وأوليائه باعتبار أحوالهم فيها عليهم الصلاة والسلام.
(ش) يعني أن الأعراض البشرية لا يقع منها بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ما لا يخل بشيء من مقاماتهم، ولا يقدح في شيء من مراتبهم، فالمرض مثلًا وإن كان يقع بهم فحده منهم البدن الظاهر، أما قلوبهم باعتبار ما فيها من المعارف والأنوار التي لا يعلم قدرها إلا مولانا جل وعز الذي منَّ عليهم بها فلا يُخِلُّ المرض بقلامة ظفر منها، ولا يكدر شيئًا من صفوها، ولا يوجب لهم ضجرا ولا انحرافا ولا ضعفا لقواهم الباطنة أصلًا كما هو كذلك موجود في حق غيرهم عليهم الصلاة والسلام، وكذا الجوع والنوم لا يستولي على شيء من قلوبهم، ولهذا تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، وحال قلوبهم في تَوَهُّجِها بأنوار المعارف والحضور والترقي في منازل القرب التي لم يحم أحد ممن سواهم حول أدنى شيء منها، وقيامهم بالوظائف التي كلفوا بها في الحضر والسفر والصحة والمرض أكمل قيام هو على حد سواء في جميع الأحوال، وفائدة إصابة ظواهرهم عليهم الصلاة السلام بتلك الأعراض ما أشرنا إليه في أصل العقيدة من تعظيم أجرهم عليهم الصلاة والسلام، وذلك كما في أمراضهم وجوعهم وإذاية الخلق لهم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل"، ولا يخفى أن مولانا جل وعز قادر أن يوصل اليهم ذلك الثواب الأعظم بلا مشقة تلحقهم عليهم الصلاة والسلام، لكن بعدله جل وعلا وعظيم حكمته التي لا تحصرها العقول اختار أن يوصل لهم ذلك الثواب مع تلك الأعراض يفعل ما يشاء لا يسئل عما يفعل تبارك وتعالى وهم يسألون، ومن فوائد نزول تلك الأعراض بهم عليهم الصلاة والسلام تشريع الأحكام المتعلقة بها للخلق كما عرفنا أحكام السهو في الصلاة من سهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف تؤدي الصلاة في حال المرض والخوف من فعله عليه الصلاة والسلام لها عند ذلك، وعرفنا هيئة أكل الطعام وشرب الشراب من أكله وشربه صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو كان عليه الصلاة والسلام غنيًا عن الطعام والشراب،
[حاشية الدسوقي]
فإذا حصل لك فقر مثلًا، أو مرض تتسلى بما وقع للأنبياء قبلك. (قوله: لخسة قدرها) أي لأن حلالها حساب، وحرامها عقاب، ولو كان لها قدر عند الله ما سقى الكافر عدوه وعدو رسوله منها جرعة ماء، فإعراض الأنبياء عنها وحصولها للكافر دليل على خستها.
(قوله: باعتبار أحوالهم) تنازعه العوامل الثلاثة التسلي والتنبيه وعدم رضاه، أي أو للتسلي باعتبار أحوالهم فيها، والتنبيه على خسة قدرها بالنظر لأحوالهم من مُقاساتهم لشدائدها وأهوالها، وإعراضهم عنها، وعدم رضاه بها دار جزاء لأوليائه بالنظر لأحوالهم فيها. (قوله: إلا ما يخل) أي وأما ما يخل كالمرض المنفر مثل الجذام والبرص فلا يقع منهما شيء بالأنبياء، وأشار بهذا إلى أن المراد بالأعراض البشرية في كلام المصنف الأعراض المعهودة، وهي المتقدمة في قوله سابقا ويجوز في حقهم ما هو من الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية.
(قوله: والأنوار) تفسير للمعارف (قوله: فلا يحل) بالحاء المهملة والخاء المعجمة (قوله: بقلامة ظفر منها) قلامة الظفر هي القطعة التي تزول من الظفر بالقص، وهذا كناية عن الشيء القليل. (قوله: ولا يكدر شيئًا من صفوها) أي من رضاه بما قدره المولى. (قوله: كما هو كذلك) أي كما أن المرض موجب للضجر والانحراف عند غيرهم، فهو تشبيه في المنفي، وقوله كذلك توكيد للكاف، وفي نسخة اسقاطها. (قوله: لا يستولي على قلوبهم) أي وما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من أنه نام لطلوع الشمس فهو بالعين لا بالقلب، لأن طلوع الشمس عليه منوط بالبصر لا بالقلب، فلا يقال إذا كان قلبه ليس نائما فكيف يصبر لطلوع الشمس لما علمت أن طلوع الشمس إدراكه من ظائف البصر لا القلب.
(قوله: وحال قلوبهم) مبتدأ، وقوله وقيامهم عطف عليه، وقوله على حد سواء خبر (قوله: في توهجها) أي توقدها بالمعارف الشبيهة بالأنوار. (قوله: والحضور) عطف على توهجها وكذا ما بعد (قوله: بالوظائف) أي النوافل الليلية والنهارية. (قوله: ولهذا) أي ولأجل أنَّ نُزول المرض والجوع وإذاية الخلق لهم لتعظيم الأجر قال الخ. (قوله: ثم الأمثل فالأمثل) أي ثم الأفضل فالأفضل، فعلى قدر قرب العبد من ربه يقوم به المرض والمحن. (قوله: يفعل ما يشاء) هذا جواب ثانٍ، والجواب الأول هو قوله لكن جل وعلا بعدله الخ، فلو قال ولأنه يفعل الخ لكان أظهر. (قوله: لا يسئل عما يفعل) أي لا يسئل عن حكمته سؤال تعنت، وأما سؤال استرشاد فلا مانع منه كما مر. (قوله: المتعلقة بها) أي بالأعراض، وقوله للخلق متعلق بتشريع الأحكام. (قوله: من سهو) أي من الأحكام المترتبة على سهو سيدنا محمدٍ. (قوله: وكيف تؤدي) أي وعرفنا جواب وكيف تؤدي الخ. (قوله: عند ذلك) أي عند مرضه وخوفه. (قوله: وشربه) أي ثلاث مرات، والحاصل أن الحكمة في كون الأنبياء يأكلون ويشربون هو التشريع، لا أنَّ أكلهم لجوع وعطش؛ لأنهم مستغنون عن الطعام والشراب. (قوله: وإلا) أي وإلا نَقُلْ فائدته التشريع بل للجوع والعطش الذي يلحقهم فلا يصح