فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 238

إذْ هو عليه الصلاة والسلام يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه إلى غير ذلك، ومن فوائدها أيضا التسلي عن الدنيا أي التصبر، ووجود الراحة واللذات لفقدها، والتنبيه لخسة قدرها عند الله سبحانه وتعالى بما يراه العاقل من مقاساة هؤلاء السادات الكرام خيرة الله سبحانه من خلقه لشدائدها وإعراضهم عنها وعن زخرفها الذي غر كثيرًا من الحمقى إعراض العقلاء عن الجيف والنجاسات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"الدنيا جيفة قذرة"، ولم يأخذوا منها عليهم الصلاة والسلام إلا شبه زاد المسافر المستعجل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، وقال صلى الله عليه وسلم:"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء"، فإذا نظر العاقل في أحوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باعتبار زينة الدنيا وزخارفها علم علم يقين أنها لا قدر لها عند الله سبحانه وتعالى، فأعرض عنها بقلبه بالكلية إن كان ذاهمة علية للحلول في الفراديس العلى وعظيم التلذذ الذي لا يكيف بزوال الحجاب عنه لرؤية المولى الكريم جل جلاله بكرة وعشيًا، وشدَّ إزاره لعبادة مولاه عز وجل شد الكرام، وصبر هذه اللحظة اليسيرة من العمر على طاعة ربه، وما أريح صفقة هذا الموفق، إذ بذل شيئا قليلا يسيرا لا قيمة له ليسارته وخسته فأخذ شيئا كثيرا لا قيمة له لكثرته وعظيم رفعته وتزايد نعمه كل لحظة أبد الآبدين، فبينما هذا الموفق في ذُلِّ أطماره، وخفقان قلبه، وسيلان دمعه، وعويله في الأسحار، وتوحشه من الخلق طرًا، يندب على نفسه بنفسه

[حاشية الدسوقي]

لأنه كان الخ. (قوله: إذ هو يبيت عند ربه) أي لأنه يبيت متعلقا قلبه بربه، مُلاحظًا لجلاله، فالعندية مجازية، وقوله يطعمه ويسقيه قيل هذا كناية عن القوة التي أعطاها له المولى التي لا يحتاج معها لطعام ولا لشراب، وقيل المراد أنه يطعمه حقيقة من طعام الجنة ويسقيه من شرابها.

(قوله: أي التصبر) هو عدم الحزن (قوله: لفقدها) أي الدنيا، فإذا كان الإنسان ليس عنده شيء من الدراهم والدنانير فلا يحزن، ويفرح بذلك لأنه صار كالأنبياء. (قوله: بما يراه الخ) متعلق بالتنبيه المعطوف على تشريع الأحكام، أي ومن فوائد نزول تلك الأعراض بهم التشريع والتنبيه لخسة قدر الدنيا بما يراه الخ. (قوله: لشدائدها) متعلق بمقاساة. (قوله: وإعراضهم) عطف على مقاساة. (قوله: وعن زخرفها) أي عن زينتها (قوله: إعراض العقلاء) معمول لقوله وإعراضهم عنها أي وإعراضهم عنها إعراضا كإعراض العقلاء عن الجيف، وهي الحيوانات الميتة. (قوله: الحمقى) أي الذين لا عقل لهم كأمثالنا، ولذا قال بعضٌ: إذا أوصى الميت بوصية للعقلاء فإنها تصرف للزهاد الذين لا رغبة لهم في تحصيل الدنيا. (قوله: ولهذا) أي لأجل كون الأنبياء يُعرضون عن الدنيا كإعراض العقلاء عن الجيف. (قوله: الدنيا جيفة) أي كالجيفة، فينبغي الإعراض عنها كالإعراض عن الجيفة. (قوله: ولم يأخذوا منها) أي من الدنيا أي ولم يتعاطوا منها إلا الشيء القليل بقدر الحاجة. (قوله: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) أي فلا تحصل من الدنيا إلا الشيء القليل بقدر الضرورة لأجل أن يكون لك أسوة بالأنبياء خيرة الله من خلقه.

(قوله: لو كانت الدنيا تزن عند الله الخ) أي لو كان للدنيا عند الله قيمةً قليلةً توازن جناح بعوضة فضلا عن كونها كثيرة ما سقى الخ. (قوله: جرعة ماء) ضبط بفتح الجيم وضمها. (قوله: باعتبار زينة الخ) أي باعتبار إعراضهم عن زينة الدنيا. (قوله: علم علم يقين) أي علم علمًا يقينيًا، أو المعنى علم علما هو اليقين، فالإضافة للبيان. (قوله: للحلول) علة لقوله فأعرض عنها (قوله: في الفراديس العلى) من المعلوم أن الفردوس جنةٌ واحدةٌ، وهي أعلى الجنان، فلا وجه للجمع إلا باعتبار أجزائها. (قوله: وعظيم التلذذ) عطف على الحلول، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي وللتلذذ العظيم بسبب رفع الحجاب الخ. (قوله: لرؤية) اللام بمعنى عن متعلقة بالحجاب. (قوله: بكرة وعشيا) أي يرون ربهم في الصباح والمساء، ويحتمل أن المراد بالبكرة ما عدا العشي، وبالعشي ما عدا البكرة، لأن الأكابر يشاهدون ربهم فيها دائمًا.

(قوله: وشد إزاره) عطف على قوله فأعرض عنها. (قوله: وما أربح صَفْقَةَ) أي تجارة هذا الموفق الذي صبر عمره طاعة لربه بأن أفنى عمره في العبادات من صلاة وصوم وذكر ربه، وتحصيل علم وغير ذلك. (قوله: إذ بذل) علة للتعجب، وقوله شيئًا يسيرًا أي وهو الدنيا التي أعرض عنها، واشتغل بدلها بالطاعة. (قوله: فأخذ شيئا كثيرا) أي وهو الحلول في فراديس الجنان ورؤية المولى. (قوله: وتزايد نعمه) الأولى وتزايده في كل لحظة، ولما كان يتوهم أن هذا الزمان منقطع أفادك أنه مستمر لا نهاية له بقوله أبد الآبدين. (قوله: أبد الآبدين) أي زمن الأشخاص الذي لا نهاية له. (قوله: في ذل أطماره) جمع طمر بكسر الطاء وهو الثوب الخلق، أي فبينما هو متلبس بذل أثوابه الخلقة أي بينما هو متلبس بالذل في ثيابه الخلقة. (قوله: وخفقان قبله) أي اضطراب قلبه وعدم سكونه. (قوله: وعويله) أي صراخه بالبكاء. (قوله: وتوحشه من الخلق) أي بالعزلة عنهم، وقوله طُرًَّا أي جميعا. (قوله: يندب) أي ينوح، وقوله على نفسه تنازعه يبكي وينوح، أي يبكي على نفسه، وينوح عليها خوفا من فوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت