بحسب فهمهم الركيك من قصة إدريس عليه السلام حيث جاءه إبليس في صورة آدم وهو يخيط ويقول في كل دخلة الإبرة وخرجتها سبحان الله والحمد لله فجاءه بقشرة بيضة فقال له: آلله تعالى يقدر أن يجعل الدنيا في هذه القشرة، فقال له في جوابه الله تعالى قادر أن يجعل الدنيا في سَمِّ هذه الإبرة، ونخس إحدى عينيه فصار أعور. قال وهذا وإن لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظهر وانتشر ظهورًا لا يُرَد، قال وقد أخذ أبو الحسن الأشعري من جواب إدريس عليه السلام أجوبة في مسائل كثيرة من هذا الجنس، وأوضح هذا الجواب: فقال: إن أراد السائل أن الدنيا على ما هي عليه والقشرة على ما هي عليه فلم يقل ما يُعقل، فإن الأجسام الكثيرة يستحيل أن تتداخل وتكون في حيز واحدٍ، وإن أراد أنه يصغر الدنيا قدر القشرة ويجعلها فيها أو يكبر القشرة قدر الدنيا ويجعل الدنيا فيها فلعمرى الله تعالى قادرٌ على ذلك وعلى أكبر منه، قال بعض المشايخ وإنما لم يفصل ادريس عليه السلام الجواب هكذا لأن السائل متعنت، ولهذا عاقبه على هذا السؤال بنخس العين وذلك عقوبة كل سائل مثله.
(ص) والعلم المتعلق
[حاشية الدسوقي]
وثلاثين سنة وهذه المدة يمكن أن يكون ظهرت فيها كتب ابن حزم، ووصلت للأستاذ خصوصا مع رياسة ابن حزم فإنه كان متقلدا بالوزاره كأبيه في الأندلس، عاش من العمر ثمانيا وأربعين سنة، ومات سنة خمس وستين وأربعمائة.
(قوله: بحسب فهمهم الركيك) إنما كان فهمهم ركيكًا لحملهم كلام ادريس على ظاهره؛ إذ ظاهره أن الله قادر على إدخال الدنيا في القشرة من غير تكبير القشرة أو تصغير الدنيا وهذا محال، فقد فهم أن القدرة تتعلق بالمحال وهو مخالف لما تقتضيه دلالة العقل، وهذا دأبهم في الظواهر فإنهم يأخذون بها وإن خالفت الأدلة العقلية، وأما بحسب الفهم القويم فهو أن يقال إنما قصد إدريس أن الله قادر على تصغير الدنيا أو تكبير القشرة.
(قوله: وهو يخيط) حال من ضمير جاء، وقوله: ويقول حال من ضمير يخيط فهي حال متداخلة، أو من ضمير جاء فتكون حالا مترادفةً. (قوله: بقشرة بيضة) متعلق بجاءه. (قوله: في كل دخلة الإبرة وخرجتها) يحتمل أن يقول ذلك مرة عند مجموع الدخلة والخرجة، ويحتمل أنه يقول ذلك مرة عند دخلة الإبرة ومرة عند خرجتها. (قوله: آلله تعالى يقدر الخ) بهمزة الاستفهام. (قوله: إحدى عينيه) يحتمل اليمنى واليسري، وإنما فعل به ذلك مع أن الأنسب قطع لسانه لمجئ الفساد منه لأن مراده بهذا السؤال إطفاء نور الإيمان فناسب أن يجازى بطفء نور بصره. (قوله: وهذا) أي: ما ذكر من القصة. (قوله: فقد ظهر وانتشر) أي: نقلًا عن السلف الصالح، وهم قد تلقوا ذلك عن أهل الكتاب العارفين الذين اسلموا مثل كعب الأحبار وعبد الله بن سلام. (قوله: قال) أي الأستاذ أبو اسحق. (قوله: في مسائل كثيرة) أي مثل الله قادر على إدخال البلد في حلقة الخاتم أو في سم الخياط الخ. (قوله: فلم يقل ما يُعقل) أي فلم يسأل عن شيء معقول؛ لأن الاجسام الخ (قوله: فإن الأجسام الكثيرة الخ) أشار إلى أن المراد بالدنيا في سؤال إبليس الأجسام الكثيرة، وهذا أحد إطلاقاتها، وقد تطلق على الفراغ الذي بين السماء والأرض، وقد تطلق على الدراهم والدنانير وذلك هو المراد بها عند ذمها. (قوله: وتكون في حيز واحد) أي مكان واحد يعني صغيرًا. (قوله: قدر القشرة) أي قدر جِرْمِ القشرة بحيث تدخل في القشرة بان تكون أقل منها، والمراد أنه يصغرها كلها بحيث ترد كلها لجوهر فرد لا أنه يرد كل جزء منها لجوهر فرد. (قوله: فلعمري) أي فلحياتي، والقصد بهذا التأكيد لا حقيقة القسم إذ الأكابر يتحاشون عن الحلف بغير الله للنهي عنه.
(قوله: قال بعض المشايخ) قال يس لعل المراد به الزركشي. (قوله: متعنت) أي طالب عنت المسؤول ومشقته؛ لا أنه مسترشد طالب للرشاد والوقوف على الصواب. (قول ولهذا عاقبه) يؤخذ منه أنه ينبغي للمسؤول أن ينظر في سؤال السائل فإن كان مشترشدا أرشده وبين له مطلوبه، وإن كان متعنتا فإنه لا يفصح له عن المراد. (قوله: وذلك عقوبة كل سائل مثله) المراد من هذا التغليظ والتشديد على السائل المتعنت، وإلا فلا يجوز في الشريعة المحمدية فعل ذلك النخس مع أحد إلا بحقه، نعم إن كان كافرًا معاندًا مثله فيجوز أن يفعل به ذلك لأن دمه هدر فضلا عن عينه.
(قوله: والعلم) اعلم أن للعلم تعلقا تنجيزيا قديما وهو انكشاف جميع الأمور له أزلًا، فتعلقه تعلق انكشاف، وليس له تعلق صلوحى قديم لأنَّ الصالح لأن يَعْلَم ليس بعالم، ولا تجري على قياسه الإرادة، لأن وجود الإرادة مع عدم تعيينها لشيء لا نقص فيه، فلا نقص فيمن يصلح أن يعين ولم يعين، والنقص فيمن يصلح أن تنكشف له الأشياء ولم تنكشف مع ثبوت وصفي العلم والإرادة، فإن من لم يعين لاختياره، ومن لم تنكشف له الأشياء بل غابت عنه فذلك لجهله. اهـ وأثبت بعضهم للعلم تعلقًا صلوحيًا أيضا على معنى أن وجود زيد الذي علمه الله في الأزل وأنه يحصل فيما لا يزال يومَ كذا يصلح علمه تعالى لأن يتعلق