عن السحر والشعوذة، ومعنى التحدي دعوى الخارق دليلًا على الدعوى؛ إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، وقد ضرب العلماء لدعوى الرسول الرسالة وطلبه المعجزة من الله تعالى دليلًا على صدقه مثلا لتصح به دلالتها على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، ويعلم ذلك على الضرورة: فقالوا مثال ذلك ما إذا قام رجل في مجلس ملك بمرأى منه ومسمع بحضور جماعة وادعى أنه رسول هذا الملك إليهم، فطالبوه بالحجة، فقال هي أن يخالف الملك عادته ويقوم عن سريره ويقعد ثلاث مرات مثلًا، ففعل، فلا شك أن هذا الفعل من الملك على سبيل الإجابة للرسول تصديق له، ومفيد للعلم الضروري بصدقه بلا ارتياب، ونازل منزلة قوله صدق هذا الإنسان في كل ما يبلغ عني، ولا فرق في حصول العلم الضروري بصدق ذلك الرسول بين من شاهد ذلك الفعل من الملك وبين من لم يشاهده إلا أنه بلغه بالتواتر خبر ذلك الفعل، فلا شك في مطابقة هذا المثال لحال الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلا يرتاب في صدقهم عليهم الصلاة والسلام إلا من طبع الله على قلبه والعياذ بالله تعالى، نسأل الله سبحانه ثبات الإيمان، والوفاة على أكمل حالاته بلا محنة دنيا وأخرى.
(ص) وأما برهان وجوب الأمانة لهم عليهم الصلاة والسلام فلأنهم
[حاشية الدسوقي]
بأنها لغيره. (قوله: عن السحر والشعوذة) أي فإن كلا منهما يمكن معارضته، والإتيان بمثله، وجعل السحر خارجا بهذا القيد مبني على أنه خارق للعادة، وهو مذهب ابن عرفة، وصاحب المقاصد خلافا للقرافي القائل إنه معتاد، وغرابته إنما هي للجهل بأسبابه، فكل من عرف أسبابه وتعاطاه أجاب معه، وهذا القول هو الذي مشى عليه المصنف في الكبرى حيث قال: ومن المعتاد السحر ونحوه، وعلى هذا القول فهو خارج بقوله خارق للعادة. (قوله: والشعوذة) هي خفة في اليد، ترى الشيء على خلاف ما هو عليه، كأن يتراءى ممن يتعاطاها أنه يقطع عضوًا، أو يحرق شيئًا ثم يعيده، لما كان عليه، ويقال فيها شعبذة بالباء أيضا، ويقال لمتعاطيها كالحواة أبو مسلي لأنه يسلي الناس عن أشغالهم. (قوله: ومعنى التحدي دعوى الخارق دليلا على الدعوى) أي ولا يحتاج إلى أن يقول ولا يأتي أحد يمثل ما جئت به، لأن الآتي بمثلها إن كان محقا فلا يقصد معارضة، وإنما هو صادق مثله، وإن كان معارضا غير محق فليس ما أتى به الأول معجزة، لأنها لا تعارض، بل صرف الله قوى البشر عن معارضتها والإتيان بمثلها.
(قوله: اما بلسان الحال الخ) أشار بهذا لما قاله بعضهم من أن قرائن الأحوال بدعوى الخارق دليلًا على الصدق كافيةٌ، كما لو قيل لمدعي النبوة لو كنت صادقا ظهرت لك آية فدعا الله بظهور آية فظهرت، ويكفي في تحديه بالمعجزة مرة واحدة أن يعلم بها من أرسل إليه. (قوله: بمرأى منه) أي من الملك أي في مكان يراه فيه الملك. (قوله: فطالبوه بالحجة) أي بالدليل الذي يدل على صدقه في دعواه أنه رسول ذلك الملك. (قوله: فلا شك في مطابقة الخ) فالرسول إذا قال أنا رسول الله اليكم، وعلامة صدقي أن يخرق الله عادته من انشقاق القمر فخرق الله عادته فهو دليل على صدق الرسول في دعواه أنه رسول الله إلينا. (قوله: بلا محنة) أي بلا امتحان وابتلاء واختبار في دار الدنيا بالمصائب، وفي الآخرة بالعذاب، فالمصائب في الدنيا محن يمتحن الله بها عباده هل يصبرون فيثابون أو يضجرون فيعاقبون.
(قوله: وأما برهان وجوب الأمانة) أي وهي كما مر حفظ ظواهرهم وبواطنهم من المعاصي والمكروهات، والمتكلمون يعبرون بالعصمة وهي صفة توجب امتناع عصيان موصوفها، والمختص بالأنبياء والملائكة وجوبها، فلا يمتنع حصولها لغيرهما على جهة الجواز، ولعل السر في العدول عن عبارة المتكلمين للازمها الإشارة إلى التكليف بنفي أضدادها؛ إذ قد ورد: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] ، و {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] . تأمل.
(قوله: فلأنهم لو خانوا الخ) هذا إشارة إلى قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة مذكورة، واستثنائيةٍ محذوفةٍ، استثنى فيها نقيض التالي فأنتج نقيض المقدم، وقوله لأن الله الخ بيان اللزوم الذي بين المقدم والتالي في الشرطية، ونظم القياس هكذا: لو خانوا بفعل محرم أو مكروه لانقلب المحرم أو المكروه طاعة في حقهم، لكن انقلاب المحرم أو المكروه طاعة مأمورا بها باطلٌ، فبطل المقدم، وهو صدور الخيانة منهم، وإذا بطل صدور الخيانة منهم وجبت لهم الأمانة، وهو المطلوب، بيان الملازمة أن الله قد أمرنا بالاقتداء بهم في أقوالهم وأفعالهم، والمولى لا يأمر بمحرم لا مكروه، وإنما يأمر بالطاعات، وبيان الاستثنائية أن الله تعالى قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف: 28] ، ولأن انقلاب المحرم أو المكروه طاعة يلزم عليه اجتماع النقيضين وهما الإذن وعدم الإذن، فالإذن من جهة الترغيب في اتباع الرسول، وعدم الإذن لما فرض أنه محرم أو مكروه. واعلم أن هذه الحجة التي ذكرها المصنف على وجوب الأمانة سمعية، أي شرعية بخلاف الحجة على وجوب صدقهم فيما يبلغونه عن الله، فإنها عقلية، ولذا قال في الكبرى يستحيل عليهم الكذب عقلا والمعاصي شرعًا، وحينئذ فإطلاق البرهان على هذا الدليل تسامح، وذلك لأن البرهان ما كان مركبًا من مقدمات عقلية قطعية، وهذا الدليلُ بيانُ الملازمةِ فيه شرعيٌ لقوله: لأن الله قد أمرنا بالاقتداء بهم، أي حيث